نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٣٠ - * و أما الهجرة الثانية
و التمسوا منه ردّ من هاجر إلى بلاده من المسلمين، فأبى ذلك و ردّهما خائبين.
ثم بعد ذلك وقع من الحبشة تعصّب على أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقالوا له: إنّ هؤلاء لهم دين غير ديننا. فأرسل وراءهم و قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: نؤمن به و نصدّقه فيما جاء به، فقال للحبشة: ما تقولون في نبيهم؟ فلم يؤمنوا به، فقال النجاشى لهم: هؤلاء يؤمنون بنبيكم و أنتم لا تؤمنون بنبيهم! فأنتم الآن ظلمة، فكلّ منكم على دينه، و لا أحد منكم يعارض هؤلاء».
فاستمروا في بلاده مدة، و عادوا إلى أوطانهم. و كان إسلامه في سنة سبع من الهجرة، و يدلّ على صحة إسلامه أنه لما توفى في رجب سنة تسع من الهجرة قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «مات اليوم رجل صالح، فصلّوا على أخيكم أصحمة» [١] فصلّى عليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه صلاة الغائب، و لما صلّى عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الآية وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (١٩٩) [آل عمران: ١٩٩] إلى اخرها، قال ابن جريج: و قال آخرون: نزلت في عبد اللّه بن سلام. و سيأتى بيان ما صنعه النجاشى من كلام المهاجرين و غير ذلك مما يتعلق به في الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة من الهجرة، عند ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب رضى اللّه عنه من الحبشة، و ذلك الفصل المذكور من الباب الثالث.
و لما رأت قريش عزة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمن معه، و عزة أصحابه بالحبشة، و إسلام عمر بن الخطاب، و إسلام عمه حمزة رضى اللّه عنهم، اجتمعوا و ائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على معاداة بنى هاشم و بنى المطلب: ألا يناكحوهم و لا يبايعوهم، و يقطعوا عنهم الأسواق، و لا يقبلوا منهم صلحا و لا تأخذهم بهم رأفة حتّى يسلموا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للقتل. و كان اجتماعهم و تحالفهم في خيف بنى كنانة (بالأبطح) و يسمّى محسبا، بأعلى مكة عند المقابر، و كتبوا بذلك صحيفة بخط منصور بن عكرمة، و قيل بخط بغيض بن عامر، و علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة الشريفة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فانحاز الهاشميون إلى أبى طالب مسلمهم و كافرهم، حتى أنّ كافرهم فعل ذلك حمية على عادة
[١] هذا حديث ثابت في الصحيحين و غيرهما، من حديث أبى هريرة و جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنهما.