نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥ - طهارة مولده و شرفه
و إخباره عن قاتله، و قصته مشهورة و في الكتب مسطورة. و كان عيسى (عليه السلام) يحيى الموتى بنص القرآن، فأحيا عازر بعد موته بثلاثة أيام، و ابن العجوز و هو محمول على نعشه، و ابنة العاشر، فعاشوا مدة و ولد لهم. و كذلك نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحيا الله علي يديه جماعة من الموتى [١]، و لا غرو فهو أحق بذلك، و الظن بالله جميل، و ليس تعجز قدرته عن ذلك، فإذا ثبت هذا فما يمتنع المدّعى أى إيمانهما بعد إحيائهما، و بكون ذلك زيادة في كرامته و فضله- فقول من قال: «إنهما ماتا كذا لأن الإيمان بعد الموت غير نافع» مردود بما روى في الخبر أن الله تعالى ردّ الشمس على نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد مغيبها، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا، و أنه لا يتجدد الوقت لما ردّها عليه، فكذلك يكون إحياء أبويه نافعا لإيمانهما و تصديقهما بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا بدع أن يكون الله كتب لأبوي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمرا، ثم قبضهما قبل استيفائه، ثم أعادهما- أى أحياهما- لاستيفاء تلك اللحظة الباقية بالمدة الفاصلة بينهما؛ لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم الله به نبيه (عليه الصلاة و السلام).
و قال بعض الأفاضل في حل هذه المسألة ما ملخصه: إن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
الأوّل: من أدرك التوحيد ببصيرته، و من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقسّ بن ساعدة، و زيد بن عمرو بن نفيل، و منهم من دخل في شريعة حقّ قائمة الرسم كتبّع و قومه من حمير، و أهل نجران، و ورقة ابن نوفل، و عمه عثمان بن الحويرث.
القسم الثانى من أهل الفترة: من بدّل و غيّر فأشرك و لم يوحّد، و شرّع لنفسه، فحلّل و حرم، و هم الأكثر كعمرو بن لحي، و هو أوّل من سنّ للعرب عبادة
[١] من ذلك أن زيد بن خارجة خرّ ميتا في بعض أزقة المدينة، فرفع و سجّي، إذ سمعوه بين العشاءين- و النساء يصرخن حوله- يقول: أنصتوا، فحسر عن وجهه، فقال: «محمد رسول الله، النبي الأمي، و خاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب الأوّل»، ثم قال: «صدق، صدق»، و ذكر أبا بكر و عمر و عثمان، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله و رحمة الله و بركاته، ثم عاد ميتا كما كان.
(راجع الشفاء للقاضى عياض و غيره تجد من ذلك كثيرا).