نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٠٢ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
و لما بلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صياح ابن الأكوع صرخ بالمدينة: «الفزع الفزع! يا خيل الله اركبي».
فنادى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك، كما نادي في غزوة بنى قريظة.
و أوّل من انتهى إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الفرسان المقداد بن الأسود رضى الله عنه، و عقد (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهذا الأمير لواء في رمحه، ثم قال له: اخرج في طلب القوم، ثم عباد بن بشر، و سعد بن زيد رضى الله عنهما، ثم تلاحقت به الفرسان، و أمر عليهم سعد بن زيد، و كان شعارهم (أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل، أو عند الاختلاط): «يا منصور أمت» تفاؤلا بأنّ يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم، و استخلف علي المدينة ابن أم مكتوم.
و أقبل (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المسلمين حتّى نزل بالجبل من ذى قرد، بناحية خيبر، و كان ابن الأكوع قد استنقذ من غطفان أكثر اللقاح، فنحر بلال رضى الله عنه ناقته حينئذ، و قسم (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونه، و كانوا خمسمائة، و بعث سعد بن عبادة رضى الله تعالى عنه بأحمال تمر، و بعشر من الجزر، فوافت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذى قرد، فقال: «اللهم ارحم سعدا، و آل سعد، نعم المرء سعد بن عبادة».
فقالت الأنصار: هو سيدنا و ابن سيدنا، من بيت يطعمون في المحل [١] و يحملون الكلّ و يحملون [٢] عن العشيرة، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين» [٣]. و رجع (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو علي ناقته العضباء، و هي «القصوى»، و هى «الجدعاء»، و لم يكن بها عضب، و لا جدع، مردفا سلمة ابن الأكوع رضى الله عنه، و أعطى (صلّى اللّه عليه و سلّم) سلمة بن الأكوع سهمي الراجل و الفارس جميعا مع كونه راكبا، و هذا استدل به من يقول: إن للإمام أن يفاضل فى الغنيمة، و هو مذهب الإمام أبى حنيفة، و إحدى الروايتين عن أحمد.
[١] أى يطعمون في الجدب.
[٢] فى الأصل «و يحمون» و التصحيح من السيرة الحلبية و المعنى: يتحملون الحمالات عن العشيرة لكرمهم.
[٣] و رواه البخارى عن أبى هريرة بلفظ «خياركم» بدل «خيار الناس».