نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٠٦ - الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا
يتوقف في ذلك، و لعله أمر بذلك بغير الآية المذكورة؛ لأن الآية ظاهرها الإباحة، و المباح ليس مأمورا به، ثم أبيح الابتداء بالقتال حتّى لمن لم يقاتل، لكن في غير الأشهر الحرم التى هي: ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و رجب بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥].
ثم أمر به وجوبا بعد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة مطلقا من غير تقييد بشرط و لا زمان، بقوله تعالى: وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] أي جميعا في أي زمن، فعلم أن القتال كان قبل الهجرة و بعدها إلي صفر من السنة الثانية محرّما؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان في أثناء ذلك مأمورا بالتبليغ، و كان التبليغ إنذارا بلا قتال؛ لأنه نهى عنه، قيل في نيف و سبعين آية، ثم صار مأذونا في قتال من قاتل، ثم أبيح قتال من لم يبدأ بالقتال في غير الأشهر الحرم، ثم أمر بالقتال مطلقا لمن قاتل و من لم يقاتل في أىّ زمن، سواء في الأشهر الحرم و غيرها، و قيل: إن القتال في الحالة الثانية كان مأمورا به، لا مباحا، كالحالة الأولي.
ثم استقر أمر الكفار مع (صلّى اللّه عليه و سلّم)) بعد نزول «براءة» (*) علي ثلاثة أقسام:
الأوّل: محاربون له (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هؤلاء المحاربون إذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم علي الكفاية في كل عام مرة، أي يكفى ذلك في إسقاط الحرج كإحياء الكعبة، و استدل لذلك بقوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] أي فهلّا نفر، و قيل: فرض كفاية [١] فى حق الأنصار، و فرض عين [٢] في حق المهاجرين.
الثاني: أهل عهد، و هم المؤمّنون من غير عقد الجزية، أى الذين صالحهم و و ادعهم على ألا يحاربوه و لا يظاهروا عليه عدوّه، و هم على كفرهم، آمنون علي دمائهم و أموالهم و أنفسهم؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «من ظلم معاهدا أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» [٣].
* سورة التوبة.
[١] فرض الكفاية: هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الآخرين.
[٢] فرض العين: هو الفرض علي كل المسلمين لا يسقط بأداء البعض له.
[٣] و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، و إن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» رواه الإمام أحمد و كثيرون غيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص.