نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨٤ - الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة و ما فيها من الغزوات
أرجع إليهم. فضحك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: ٥٦] يا أخا تنوخ إنى كتبت بكتاب إلى كسرى فمزّقه، و الله ممزقه و ممزق ملكه، و كتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير، قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصانى بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتى فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الّذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية، فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السموات و الأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبحان الله، أين النهار إذا جاء الليل [١]؟! فأخذت سهما من جعبتى فكتبت في جنب سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي، قال: إن لك حقا، و إنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوّزناك بها، إنا سفر مرملون. فناداه رجل من أصحابه، فقال: أنا أجوّزه، ففتح رحله، فإذا هو بحلّة صفراء فوضعها في حجري، فقلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): أيكم ينزل هذا الرجل؟ فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاريّ و قمت معه، حتى إذا خرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: تعال يا أخا تنوخ، فأقبلت أهوى حتّى كنت قائما في مجلسى الّذي كنت بين يديه، فحلّ حبوته على ظهره، و قال: «هاهنا امض لما أمرت به» فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم النبوة عند غضروف كتفه مثل المحجمة [٢] الضخمة». فانصرف الرجل إلى هرقل، فذكر له ذلك، فدعا قومه إلى التصديق بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فأبوا حتّى خافهم علي ملكه، و هو في موضعه بحمص لم يتحرك و لم يزحف، و أهدى هرقل له (صلّى اللّه عليه و سلّم) هدية فقبلها، و فرّقها على المسلمين، و أقام (صلّى اللّه عليه و سلّم) بضع عشرة ليلة، و لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.
ففى هذه الغزوة خرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المدينة إلى الشام في العدد الّذي لم يتم قبله مثله، كان العدد فيها ثلاثين ألفا، أو أكثر، و كانت الشّقّة بعيدة، و لهذا لم يور
[١] و في الفتح الكبير في ضم الزيادة إلي الجامع الصغير: «سبحان الله، أين الليل إذا جاء النهار»؟
رواه الإمام أحمد.
[٢] المحجمة: القارورة التى يجمع فيها دم الحجامة.