نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٠ - طهارة مولده و شرفه
على سبيل الاتفاق دون القصد، أو المراد كنكاح الإسلام في الجملة؛ لأن إسلام الولى أو عدالته أمر متعذر قبل الإسلام، خصوصا أيام الجاهلية، فنكاح أصوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) منزّه عن السفاح، أى عن الزنا و اتخاذ الأخدان، و ما كانوا عليه في الجاهلية من نحو نكاح زوجة الأب، حيث أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل منهم و خلّف أولادا كبارا و صغارا، فالكبار يتزوجون بزوجة أبيهم.
و بالجملة فهو (صلّى اللّه عليه و سلّم) مبرّأ عمّا كانت تستعمله العرب في الجاهلية من أنواع السفاح التى لا تعدّ في الإسلام نكاحا.
فقد كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:
الأوّل: نكاح كنكاح الناس اليوم، أى إيجاب و قبول.
الثاني: نكاح البغايا، و هو أن يطأ البغيّ جماعة متفرقون، واحدا بعد واحد، فإذا حملت و ولدت ألحقت الولد بمن غلب عليه شبهه منهم.
الثالث: نكاح الاستبضاع، و ذلك أن المرأة كانت في الجاهلية إذا طهرت من حيضها يقول لها زوجها: «أرسلى إلى فلان استبضعى منه» و يعتزلها زوجها، و لا يمسّها أبدا حتّى يتبين حملها، فإذا حملت أصابها زوجها إذا أحب.
الرابع: نكاح الجمع و هو أن تجمع جماعة دون العشرة، و يدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات، كلهم يطئونها فإذا حملت و وضعت و مرّ عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتّى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: «قد عرفتم الّذي كان من أمركم، و قد ولدت، فهو ابنك يا فلان»، تسمّى من أحبت منهم فيلحق به ولدها، فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، و إن لم يكن شبهه عليه.
فنكاح اباء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أمهاته كان من قبيل القسم الأوّل، و منزها عما عداه، فقد طهره الله من أدناس الجاهلية، و منحه الأخلاق الجميلة العليّة، حتى إنه ما كان يدعى في قومه إلا بالأمين، و كيف لا و هو حبيب الله و خليله المختار من العالمين المسدّد المعصوم في البداية و النهاية، و كم قد ذكر له في الصغر و قبل النبوة و بعدها من آية، و هذا من أعظم العناية به (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حيث أجرى الله سبحانه و تعالى نكاح آبائه (عليه الصلاة و السلام) إلى أن أخرجه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بين أبويه على