نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢١ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
و كانت القبائل ترد على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لتأخذ عنه القرآن، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يترجم لكل قبيلة بحسب لغتها من قبائل: قريش، و كنانة، و حمير، و هذيل، و طيّئ، و جرهم، و مدلج، و غيرهم؛ فربما مدّ [١] (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدر الألف و الألفين و الثلاث لمن لغته كذلك، و ربما فخّم لمن لغته التفخيم، و ربما أمال لمن لغته الإمالة، و ربما أدغم لمن لغته الإدغام، و ربما رقّق لمن لغته الترقيق، و هكذا في سائر وجوه الآداب و الأحكام التى أمرنا الله بها و نهانا عنها في القرآن كلها واحدة، لا تتغير فى جميع القراءات، فلما وقع الضبط و أخذت القرّاء القراءات عن القبائل ضبط كلّ إنسان ما سمع فقط؛ إذ القياس هنا ممنوع، و جميع التراجم كلها قران منزل، أوحى به إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لو جاز أن يترجم (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن القرآن بغير ما أوحى به إليه لم يخرج عن مرتبتين؛ لأنه إما يترجم بلفظ مساو للوحى أو دونه، فإن كان دونه: لم يصدق عليه أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلّغ ما أنزل إليه من ربه، و ذلك محال في حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إن كان مساويا: فأيّ فائدة للعدول عن الوحى من الله بلفظ مساو له؟ فما بقى إلا أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلّغ ما أنزل إليه من ربه بحروفه الحاملة للمعانى القديمة.
و كان ابن عباس رضى الله عنهما يقول: «ما أنزل اللّه عزّ و جل كتابا إلا بالعربية إذ هى أوسع اللغات، و لكن كان جبريل (عليه السلام) يترجم لكل نبى بلسان قومه، و ليس في القرآن العظيم إلا لغة العرب، و ربما وافقت اللغة منه لغة غير العرب، و الأصل عربى لا يخالطه شيء».
و كان أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من يفد إليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله، و ما جهلوه يسألونه عنه فيوضحه لهم، و قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا تكلّم تكلم بكلام مفصّل مبيّن يعدّه العادّ، ليس بهذّ مسرع لا يحفظ، قالت عائشة رضى الله عنها: ما كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسرد سردكم هذا؛ كان يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه، و كان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه، و قال له عمر رضى الله عنه: يا رسول الله ما لك أفصحنا و لم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: لقد كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل فحفّظنيها، و قال: «أنا أعرب العرب، ولدت
[١] أى مدّ الحروف في النطق.