نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٤٢ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
ديني و لا في دين أحد من الأمم؟ فقال جعفر: أيها الملك أمّا ما كنّا عليه فهو دين الشيطان؛ لأننا كنا قوما جاهلية، نكفر بالله و نأكل الميتة، و نأتى الفاحشة، و نقطع الأرحام، و نسىء الجار، و يأكل القوىّ منا الضعيف، و أما الدين الّذي تحوّلنا إليه فدين الإسلام؛ فإن اللّه عز و جل بعث إلينا رسولا منا، نعرف صدقه و أمانته و عفافه، و هو الّذي بشّر به عيسى ابن مريم (عليه السلام) فقال: (و مبشرا برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد)، فدعانا إلى اللّه عز و جل لنوحّده و نعبده و لا نشرك به شيئا، و أمرنا بالصلاة و الزكاة، (و عدّد إليهم أمور الإسلام)، و أمرنا بالمعروف و نهانا عن المنكر، و أن نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا دونه من عبادة الأصنام من الحجارة و الأوثان، فصدّقناه و آمنّا به، و معه كتاب كريم مثل كتابكم الّذي أنزل على عيسى بن مريم (عليه السلام). فقال النجاشى: «تكلمات بأمر عظيم، فعلى رسلك»، ثم أمر بضرب الناقوس، فاجتمع إليه كل قسيس و راهب، فلما اجتمعوا عنده، قال لهم: أنشدكم الله الّذي أنزل الإنجيل على عيسى؛ هل تجدون بين عيسى و بين القيامة نبيا مرسلا؟ فقالوا: اللهمّ نعم، قد بشّرنا عيسى ابن مريم (عليه السلام)، و قال: من آمن به فقد آمن بى، و من كفر به فقد كفر بى. فقال النجاشى: ما ذا يقول لكم هذا الرجل؟ و ما يأمركم به؟ و ما ينهاكم عنه؟ قالوا: يقرأ علينا كتاب الله عز و جل، و يأمرنا بالمعروف و ينهانا عن المنكر، و يأمرنا بصدق الحديث، و أداء الأمانة، و حسن الجوار، و صلة الرّحم، و برّ اليتيم، و كفّ الأذى، و الكف عن المحارم و الدماء و نهانا عن الفواحش، و قول الزور، و أكل اليتيم و قذف المحصنات، فحرّمنا ما حرّم علينا، و أحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا و فتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله عز و جل، و أن نستحلّ من الخبائث، فلما قهرونا و ظلمونا و شق علينا ذلك، و حالوا بيننا و بين ديننا؛ خرجنا إلى بلدك و اخترناك على من سواك، و رغبنا في جوارك، و رجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، فأعجب النجاشى قوله، ثم قال له: هل عندك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال جعفر: نعم، فقال النجاشى: اقرأه عليّ. فقرأ عليهم سورة العنكبوت و الروم ففاضت عين النجاشى و أصحابه من الدمع، و قالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف، فقال النجاشى: إن هذا الكلام و الّذي أنزل على عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة. ثم أقبل على جعفر و أصحابه، و قال: مرحبا بكم و بمن جئتم من عنده، و أنا أشهد أنه رسول الله الّذي بشّر به