نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢١٨ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
الإكرام، و ظفروا بالشهادة الكبرى و المنزلة الرفيعة في الدنيا و الأخرى، و نطق بفضلها أشرف الكتاب، فكان الدعاء بذكرهم يستجاب، و عدّت تلاوة أسمائهم لتدفع كل مهمة، رضى الله عنهم و عن جميع الأمة. و ليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل و يقرب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان. و يقال لها: بدر القتال [١]، و بدر الفرقان [٢]؛ لأن الله تعالى فرّق فيها بين الحق و الباطل، و أظهر الله بها الدين من يومئذ، و قتل فيها صناديد قريش، و ذلك أن العير التي خرج (صلّى اللّه عليه و سلّم) في طلبها حتّى بلغ العشيرة و وجدها سبقته بأيام، لم يزل مترقبا قفولها من الشام، فلما سمع برجوعها من الشام دعا المسلمين، و قال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها» فانتدب ناس للإجابة و آخرون لم يجيبوا لظنهم أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يلق حربا، و لم يحتفل لها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لا اهتم بها، بل قال: «من كان ظهره حاضرا فليركب معنا».
فكان أبو سفيان حين دنا بالعير من أرض الحجاز يتحسس الأخبار، و يسأل من لقى من الركبان تخوّفا من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فبلغه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد استنفر أصحابه للعير، و أنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير، فخاف خوفا شديدا، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى بعشرين مثقالا ليستنفر قريشا، و يخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم هو و أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، و قال:
«يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة [أى أدركوا اللطيمة، و هى العير التى تحمل الطيب و البزّ (*)] أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها». فتجهز الناس سراعا حيث أقام أشراف قريش يحضّون الناس علي الخروج، و لم يتخلف من أشرافهم إلا أبو لهب، و بعث مكانه العاص بن هاشم ابن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه دينا أفلس بها، و كانوا خمسين و تسعمائة، و قيل ألفا، و قادوا مائة فرس عليها مائة درع سوى دروع
[١] سميت بدر القتال؛ لأن الموقعة حدثت بها، و بدر الفرقان لأن الله فرق بها بين الحق و الباطل، و سماها الله تعالى «الفرقان» فى قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤١].
[٢] سميت بدر القتال؛ لأن الموقعة حدثت بها، و بدر الفرقان لأن الله فرق بها بين الحق و الباطل، و سماها الله تعالى «الفرقان» فى قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤١].
* البزّ: نوع من الثياب، و السلاح.