نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٢ - مسألة رؤية اللّه
عليه أو يجب له. و كيفية الخلاف في وقوعها: كما حكاه عنه القشيرى، و هو قول عائشة رضى الله عنها بإنكار رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) ربه ليلة الإسراء حين قالت لمسروق (*) و كان متكئا عندها: «يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله، فقال: ما هن؟ فقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فجلس، و قال: انظرينى يا أم المؤمنين و لا تعجلينى، أ لم يقل الله وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣]، وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣]؟ فقالت أنا أوّل هذه الأمة سأل عن ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التى خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء و الأرض، ثم قالت: أ و لم تسمع أن الله تعالى يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] أ و لم تسمع أن الله يقول: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: ٥١] إلى قوله:
عَلِيٌّ حَكِيمٌ. قالت: و من زعم أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، و الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] قالت: «و من زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، و الله تعالى يقول:
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] كما رواه مسلم، و وافقها أبو هريرة و جماعة، و هو المشهور عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه.
و الّذي جزم به صاحبه «التحرير»، كما نقله عنه النووى و أقرّه: إثبات رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) ريّه ببصره، قال: و الحجج في هذه المسألة، و إن كانت كثيرة، و لكنّا لا نتمسك إلا بالأقوى منها، و هو حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما:
* مسروق بن الأجذع الهمذانى.