نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٣٦ - الرابع ما
و كذلك جمع (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما تفرّق في الأنبياء من مكارم الأخلاق، و سمّاه عظيما فقال تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]؛ فكان فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خلق آدم (بفتح الخاء و سكون اللام)، و معرفة شيث، و شجاعة نوح، و خلّة إبراهيم، و لسان إسماعيل، و رضى إسحاق، و فصاحة صالح، و حكمة لوط، و بشرى يعقوب، و شدّة موسى، و صبر أيوب، و طاعة يونس، و جهاد يوشع، و صوت داود، و حبّ دانيال، و وقار إلياس، و عصمة يحيي، و زهد عيسى.
ثم دعا الله تعالى عباده للاقتداء به التخلّق بأخلاقه فقال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]؛ فقد أيّده الله تعالى بالمعجزات الباهرة، و أكرمه بالآيات الظاهرة، و خصّه بالشفاعة العظمى في الدار الآخرة، (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عترته الطاهرة، و صحابته النجوم الزاهرة، قال الأديب جمال الدين الدمشقى فى ذلك:
يا عين إن بعد الحبيب و داره * * * و نأت مرابعه و شطّ مزاره
فلقد ظفرت من الزمان بطائل * * * إن لم تريه فهذه آثاره
و لقد سبقه إلي ذلك الصلاح الصفدي، فقال:
أكرم بآثار النبيّ محمد * * * من زاره استوفي السرور مزاره
يا عين دونك فانظري و تمتّعي * * * إن لم تريه فهذه آثاره
و اقتدى بهما في ذلك أبو الحزم المدني، فقال:
يا عين كم ذا تسفحين مدامعا * * * شوقا لقرب المصطفي و دياره
إن كان صرف الدهر عاقك عنهما * * * فتمتّعي يا عين في آثاره
و بالجملة فآثاره (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مآثره هى الواسطة العظمى في تشييد هذا الدين المحمدي [١] العظيم البنيان الّذي هو ببركته (صلّى اللّه عليه و سلّم) باق إلى اخر الزمان، و كذلك ما
[١] يقصد الشرع الإلهي الّذي خص به محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) من دون الأنبياء، بدليل أنه عبر بها في قوله «فشريعة المصطفي» الخ.