نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٦١ - مسألة رؤية اللّه
صفته، على اختلاف قولهم في المراد بالصفة، و ذهب آخرون منهم القاضى أبو بكر الباقلانى إلى أنه لا يختص بذلك، و إلى أن المعنى في قوله: «فقد رآني» على التأويل، فقال القاضى أبو بكر المذكور كما نقله عنه الماوردى و غيره: يعنى «فقد رآني» فرؤياه حق ليست أضغاث أحلام، و لا من شبهات الشيطان بل مما له تعبير صحيح، أى و ليس المعنى أنه رأى ذاته حقيقة، قال:
فقد يراه الرائى على خلاف صفته المعروفة، كمن راه أبيض اللحية، و قد يراه شخصان في زمن واحد في مكانين مختلفين، فيراه أحدهما بمنزله، و هو بالمشرق، و الآخر بمنزله و هو بالمغرب، و على هذا التأويل مشى الغزالي أيضا، فقال: ليس معناه: فقد رأى جسمى و بدنى، قال: بل المرئىّ مثال حقيقة روحه المقدسة التى هى محمل النبوة، لا نفس روحه و لا شخصه. و ذهب طائفة إلى أن الحديث على ظاهره من أن المرئى حقيقة ذاته، إذ لا مانع من ذلك، و العقل لا يحيله [١] ليحتاج إلى تأويله؛ إذ الرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الحىّ، و لا يتوقف على مقابلة، و لا تحديق بصر، و لا كون المرئى ظاهرا، بل الشرط كونه موجودا فقط، و قد دلت الأحاديث الصحيحة على بقاء جسمه الشريف، و أنه لا يبلى؛ ففى حديث أوس بن أوس عند أبى داود و النسائى، و غيرهما أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: إن الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء»، و عند أبى داود من حديث أبى هريرة أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ما من أحد يسلم عليّ إلّا ردّ الله عليّ روحى حتّى أردّ (عليه السلام)».
و قد نصر القرطبىّ مذهب القاضى الباقلانى، و شنّع على القول برؤية الذات الشريفة حقيقة بأنه يلزم عليه أمور منها: أنه لا يراه أحد على غير صفته التى مات عليها، و ألا يراه رائيان في ان واحد في مكانين متباعدين، مع أن ذلك واقع لا مانع منه عقلا و لا عادة، و قد أجيب من طرف القائل عن رؤيته على غير صفته و في مكانين مختلفين بأن ذلك من غلط الرائى، و أن كلا من الصفة
[١] أى لا يراه مستحيلا.