نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٢٢ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
رسول الله قحط المطر، و يبس الشجر، و هلكت المواشى، و أسنت الناس [١] فاستسق لنا ربك. فخرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الناس معه، يمشى و يمشون بالسكينة و الوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم و صلّى بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقرأ في العيدين و الاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [سورة الأعلى] و في الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ... [سورة الغاشية]، فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه، و قلب رداءه لكى ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه، و رفع يديه، و كبّر تكبيرة قبل أن يستسقى، ثم قال: «اللهم اسقنا، و أغثنا غيثا مغيثا، و حياء ربيعا، و جدا طبقا غدقا مغدقا، عاما هنيئا مريئا، مريعا مرتعا، وابلا شاملا، مسبلا مجللا، دائما و درا، نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، غيثا اللهم تحيى به البلاد، و تغيث به العباد، و تجعله بلاغا صالحا للحاضر و الباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها، و أنزل عليها سكينتها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحيى به بلدة ميتا، و اسقه مما خلقت أنعاما و أناسى كثيرا».
فما برحوا حتّى أقبل قزع [٢] من السحاب، فالتأم بعضه إلى بعض، ثم أمطرت سبعة أيام بلياليهن، لا تقلع عن المدينة، فأتاه المسلمون و قالوا: يا رسول الله قد غرقت الأرض، و تهدّمت البيوت، و انقطعت السبل، فادع الله تعالى أن يصرفها عنا. فضحك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو على المنبر حتّى بدت نواجذه، تعجبا لسرعة ملالة بنى آدم، ثم رفع يديه، ثم قال: «حوالينا و لا علينا، اللهم على رءوس الظراب، و منابت الشجر، و بطون الأودية و ظهور الآكام»، فتصدعت عن المدينة حتّى كانت مثل ترس عليها، كالفسطاط [٣] تمطر مراعيها، و لا تمطر فيها قطرة.
[١] أسن بفتح السين: تغير ألوانهم مثل الماء الآسن المتغير اللون.
[٢] الفزع: بفتحتين- قطع رقيقة من السحاب.
[٣] الفسطاط: بيت من شعر.