نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٤٣ - كيفية نزول القرآن
الرسالة من ذلك الجناب الرفيع العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، و لهذا كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل (عليه السلام)، و قيل: معنى «لنثبت به فؤادك» لنحفظه، ففرّق عليه ليثبت عنده حفظه.
و قد اختلف: هل في القراءة شيء أفضل من شيء؟ فقيل: لا، و عليه الأشعرى و القاضى و أبو بكر الباقلانى؛ لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، و كلامه تعالى حقيقة واحدة لا نقص فيه، و قيل: نعم، لظواهر الأخبار، كخبر: «ألا أعلّمك بأعظم سورة في القرآن؟» [١]، و خبر «إنّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن» [٢] و التفضيل يرجع إلى عظم الأجر و الثواب، و إلى اللفظ لا إلى الصفة؛ لأن ما تضمنته نحو آية الكرسى و سورة الإخلاص ليس موجودا في نحو تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ و التحقيق: أنه لا خلاف في المعنى، بل الأوّل محمول علي ذات القران و حقيقته، و الثانى على غيرها كما علمت، قاله شيخ الإسلام.
و سميت السورة سورة لقطعها من السورة الأخرى، إذ السور: القطع، فلما قرن بعض السور ببعض سمّي المجموع قرانا، كما يسمّى بعضه قرانا لذلك أيضا، قاله شيخ الإسلام في شرحه على البخارى.
و قد روى أنّ الله تعالى أنزل القرآن دفعة إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، فحفظته الحفظة، و كتبته الكتبة، ثم نزل منها بلسان جبريل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) شيئا فشيئا بحسب المصالح.
فإن قيل: ما قدر المنزّل؟ أجيب بأنه كان على حسب المصالح قلة و كثرة، فربما نزل العشر من الآيات، كما صح في قصة الإفك، و أوّل سورة المؤمنين، و نزول الخمس منها، و نزول بعض آية كما صحّ في نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [٣] واحدها، و هى بعض آية.
[١] رواه الإمام أحمد، و أبو داود، و النسائى و ابن ماجه، و مالك في موطئه، و هو حديث فيه طول:
بخصوص سورة الفاتحة، و انظر ابن كثير في التفسير.
[٢] رواه الإمام أحمد، و النسائى في اليوم و الليلة، و غيرهما من الرواة كثير.
[٣] النساء: من الآية ٩٥.