نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٦٠ - مسألة رؤية اللّه
اليقظة نصّ جمع من الأئمة على إمكانها و وقوعها، و قيل المرئيّ مثاله لا حقيقة جسده الشريف.
ثم اعلم أن الرائين للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مختلفون في الدنوّ منه و البعد؛ فمنهم من يدنو منه حتّى لا يبقى بينه و بينه حجاب، و منهم من يراه على بعد بعد رفع الحجاب رفعا غير تام، و هذا الدنوّ معنوى لا حسّى، بحيث إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينتقل إلى الرائى بأن يجيء إليه راجلا أو راكبا أو نحو ذلك؛ إذ لا دليل عليه. انتهى.
و قد رفع سؤال للعلامة كمال الدين بن أبى شريف صورته: «رؤيا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى النوم هل هى صحيحة؟ و لو كانت على أى خال من الأحوال، حتى لو رؤى على لون أسمر أو رؤى بلا لحية أو نحو ذلك؟ أم كيف الحال؟ و هل يشترط لصحة الرؤيا شيء أم لا؟ و ما معنى قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بى» [١] أو كما قال؟ و ما حكم الله في ذلك؟.
فأجاب (رحمه الله) بأن قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بى» ورد في الصحيحين و غيرهما من رواية غير واحد [٢] من الصحابة، بألفاظ المعنى، و يتعلق البحث فيه بقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «من رآني في المنام» هل هو قاض بمن راه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحليته و صفته؟ أو هو كمن راه على أى صفة راه؟
و يقول (صلّى اللّه عليه و سلّم) «فقد رآني» هل هو على ظاهره؟ بمعنى فقد رأى ذاتى حقيقة، أو هو مؤوّل؟ فذهب جمع منهم ابن سيرين إمام أهل التعبير إلى اختصاصه بمن راه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على صفته. ثم من هؤلاء من ضيّق فقال على صفته التى توفى عليها، حتى راعى عدد الشعرات البيض في رأسه و لحيته (صلّى اللّه عليه و سلّم). و منهم من اكتفى بما تصدق عليه صفته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في وقت من أوقاته، كحال شبابه، أو رجولته، أو كهولته، أو ما بعد ذلك؛ فهؤلاء يشترط عندهم في رؤياه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يرى على
[١] و في رواية للترمذي «من رآني فإني أنا هو؛ فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بى».
[٢] أى أكثر من واحد.