نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٣٥ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
و أكرمها، لا سيما رؤساؤهم الذين هم فيهم كالملوك، قال الشاعر:
و إذا سألت عن الكرام وجدتنى * * * كالشمس لا تخفى بكل مكان
(رجع) ثم سار (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة، و كان قد كتب إلى النجاشى يطلب منه بقية المهاجرين، و يخطب أمّ حبيبة- رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية ابن عبد شمس- فزوّجها للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بالحبشة، و أصدقها النجاشىّ عن النبي أربعمائة دينار، و بعثها مع شرحبيل بن حسنة في سنة سبع، و كلّم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المسلمين أن يدخلوا الذين حضروا من الحبشة في سهامهم من مغنم خيبر، ففعلوا، فما أحسن زواج الحضرة النبوية بهذه الكريمة الزكية على يد هذا الملك الموفق، و التابعى [١] الّذي طلع بدره على سنية الإيمان و أشرق، فقد فاق هذا الملك النجاشى بما له من حميد الخلال نجاشى كافور الخال، الّذي هو ملك الجمال.
و على ذكر الكافور فيحسن إيراد هذا الخبر المأثور، و هو: أنه لما جرح بعض الصحابة في بعض الغزوات، فعولج أن ينقطع دمه فلم ينقطع، فقال حسان:
ائتونى بكافور، فجىء له به، فلما وضعه على الجرح انقطع دمه، فقال له (صلّى اللّه عليه و سلّم):
ممّ أخذت هذا؟ قال: من قول امرئ القيس:
فكّرت ليلة وصلها في هجرها * * * فجرت مدافع مقلتى كالعندم
فطفقت أمسح مقلتى بخدّها * * * إذ عادة الكافور إمساك الدم
فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّ من الشعر لحكمة» [٢].
* و في هذه السنة كتب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى جبلة بن الأيهم [اخر ملوك غسان] و دعاه إلى الإسلام، قال: فلما وصل إليه الكتاب أسلم و كتب جواب
[١] و النجاشى تابعى، لأنه لم ير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم يجتمع به.
[٢] رواه أحمد، و أبو داود، و ابن ماجة، عن أبىّ، و الترمذي عن ابن مسعود، و الطبراني عن عمرو بن عوف، و عن أبى بكر و أبو نعيم في الحلية، عن أبى هريرة و الخطيب البغدادى عن عائشة و عن حسان بن ثابت، و ابن عساكر عن عمر.