نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٣٤ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
إليه عند اختلافهم في الأسباب و الحروب و لأنه مستودع علومهم، و حافظ آدابهم، و معدن أخبارهم، و لهذا قيل:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به * * * و الشعر أفخر ما ينبى عن الكرم
لو لا مقال زهير [١]فى قصائده * * * ما كنت تعرف جودا كان من هرم [٢]
و في الحديث عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «العمائم تيجان، فإذا وضعوها وضع الله عزتهم» [٣].
و من أعزّ العرب نفسا و أشرفهم همما الأنصار، و هم الأوس و الخزرج، أبناء قيلة، لم يؤدوا إتاوة قط في الجاهلية إلى أحد من الملوك، و كتب إليهم تبّع أبو كرب يدعوهم إلى طاعته و يتوعدهم إن لم ينقادوا له، فكتبوا إليه:
العبد تبّع كم يوم قتالنا * * * و مكانه بالمنزل المتذلل
إنّا أناس لا ننام بأرضنا * * * عض الرسول هنا لأم [٤]المرسل
فلما دنا لقتالهم كانوا يقاتلونه نهارا و يخرجون إليه القرى ليلا، فندم على [٥] قتالهم، و رحل عنهم. و حسب الأنصار من الفضل ما يروى أنهم لما رأوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مرض موته يزداد وجعا طافوا بالمسجد، فأشفقوا من موته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدخل عليه الفضل فأخبره بذلك، ثم دخل عليّ رضى الله عنه فأخبره بذلك، ثم دخل عليه العباس فأخبره ذلك، فخرج (صلّى اللّه عليه و سلّم) متوكئا على عليّ و الفضل، و العباس أمامه، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) معصوب الرأس يخطّ برجليه حتّى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، فحمد الله، و أثنى عليه، و خطب خطبة ختمها بقوله:
«و أوصيكم بالأنصار خيرا؛ فإنهم الذين تبوّءوا الدار و الإيمان من قبلكم، يحبون من هاجر إليهم، أ لم يشاطروكم في الثمار؟ أ لم يوسعوا لكم في الدنيا؟ أ لم يؤثروكم على أنفسهم و بهم الخصاصة؟» أ. ه.
و بالجملة فكلّ واحد من العرب يرى في نفسه العزة، و أنه سيّد حيّه و قبيلته،
[١] الشاعر زهير بن أبى سلمى.
[٢] هرم بين سنان من أجواد العرب، مدحه زهير بن أبى سلمى.
[٣] و في لفظ رواه الديلمى في مسند الفردوس عن أبى عباس العمائم تيجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضعوا عزهم» و رواه البيهقى بزيادة «و اعتمّوا تزدادوا حلما» و رواه القضاعى أيضا.
[٤] الهن: الفرج، و هو استهزاء به و شتم له، و المقصود بالرسول هنا: الرسول الّذي جاءهم بخطاب التهديد.
[٥] فى الأصل «ندم من» و الأصح «على».