نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٧٤ - غزوة بنى النضير
يعمل له رحى تطحن بالريح، دلالة على استحباب حصول الإسلام على أدوات الأشياء النافعة الموجودة بالممالك الأجنبية كما هو جار الآن بالبلاد الإسلامية الراغبة في تجديد المنافع للحرب و السلم.
و عمل (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنفسه في حفر الخندق، و لما بدأ (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:
بسم الله و به بدينا [١] * * * و لو عبدنا غيره شقينا
يا حبّذا ربّا و حبّ دينا
و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) متمثلا بقول ابن رواحة و هو ينقل التراب و قد وارى الغبار عن جلدة بطنه الشريف:
لا همّ لو لا أنت ما اهتدينا * * * و لا تصدّقنا و لا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا * * * و ثبّت الأقدام إن لاقينا
و المشركون قد بغوا علينا * * * و إن أرادوا فتنة أبينا [٢]
يمدّ بها صوته مكررا لها: «أبينا أبينا».
و روى أن حفر الخندق كان في زمان عسرة و مجاعة، حتى إن الأصحاب- رضى الله عنهم- كانوا يشدّون على بطونهم الحجر من الجهد و الجوع الّذي بهم، و لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون زادا، و عن أبى طلحة: «شكونا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الجوع، و رفعنا عن بطوننا عن حجر، فرفع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن بطنه حجرين. ذكره الترمذي في الشمائل، و لهذا أشار صاحب البردة بقوله:
و شدّ من سغب أحشاءه و طوى * * * تحت الحجارة كشحا مترف الأدم
و هذا منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تعليم للأمة للصبر على الجوع، و إلا ففى الحقيقة هو مطعم شبع من فيض مولاه؛ لأنه كان يطعم و يسقى من ربه، و إنما العادات الظاهرية قد تجرى مجراها، و لو في حق الأنبياء، حتى إنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الصوم كان يصير
[١] بضم الباء و كسر الدال (الطهطاوي).
[٢] و ليس هذا من إنشاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إنما هو مردد، و كان من عادته أن يقلب البيت أو يكسره ليخرج من ميزان الشعر، و هكذا في كل ما ورد أنه ردّده.