نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٤ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
قلوب أمة الدعوة من الوساوس لكفر بعضهم، و يرحم اللّه المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم، و يحكم الآيات الدالة على الواحدانية و الرسالة، و يبقى ذلك عز و جل في قلوب المنافقين و الكافرين، ليفتتنوا به.
فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أوّلا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين و تدوم على الكافرين.
و هذا التفسير من أبدع ما يسمع؛ لأنه يوفى بثلاثة أمور: العموم الّذي في أولها، و التعليل الّذي في اخرها، و يعطى الرسالة حقها». انتهى كلام صاحب الإبريز [١].
و منه يفهم أن إلقاء الوسوسة إنما هو في المتمنّى للأمة من أنبيائهم لهم، و هو إيمانهم و طاعتهم و توفيقهم مما هو وصفهم، و ليست الوسوسة متوجهة على الأنبياء المعصومين، الذين خاتمهم و أكملهم (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فإنّ من عرف ما يجب للرسل و ما يستحيل عليهم و ما يجوز لهم علم وجوب العصمة و استحالة ضدها.
* و بيان ذلك: أنه يجب في حقّهم الأمانة، و الصدق، و التبليغ، و الفطانة: فأما الأمانة:
فهى عصمة ظواهرهم و بواطنهم من التلبّس بمنهيّ عنه، و لو نهي كراهة أو خلاف الأولي؛ فهم محفوظون من منهيات الظاهر و من منهيات الباطن، كالحسد و الكبر و الرياء و غير ذلك، و المراد المنهيّ عنه و لو صورة، فيشمل ما قبل النبوة، و لو في حال الصغر حتّى أن المباح أو المكروه إذا وقع منهم كان صورة للتشريع، فيصير واجبا أو مندوبا في حقهم؛ فأفعالهم دائرة بين الواجب و المندوب، بل و من الأولياء الذين هم أتباعهم من يصل منهم لمقام تصير حركاته و سكناته طاعات بالنيات، فقد ثبت أنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) توضأ مرة أو مرتين و شرب قائما.
و أما المحرّم: فلم يقع منهم إجماعا، و ما أوهم المعصية فمؤوّل من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين [٢] و لا يجوز النطق به في غير مورده إلا في مقام البيان. و دليل وجوب الأمانة لهم أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه أو
[١] و هذا هو الّذي ترتاح إليه قلوب المؤمنين.
[٢] لأن مقام المقرّب أعلى من مقام البار، فلا يقبل منه ما يقبل من البار. و اللّه أعلم.