نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٦ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
و أما الفطانة فهي: التيقظ لإلزام الخصوم و إبطال دعاواهم الباطلة، و دليلها الآيات كقوله تعالى: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [الأنعام: ٨٣]، و الإشارة ب «تلك» عائدة على ما احتج به على قومه من قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: ٧٦] إلى قوله وَ هُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]. و كآية قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هود: ٣٢]. و كآية وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:
١٢٥] أى بطريق تشتمل على نوع من الإرفاق بهم، و من لم يكن فطنا لا تمكنه الحجة و لا المجادلة، و ما ثبت لبعضهم من الكمال ثبت لغيره؛ فتثبت الفطانة لجميعهم.
و يستحيل في حقهم ضدّ هذه الصفات الأربعة؛ فضدّ الأمانة الخيانة، و ضد الصدق الكذب، و ضد التبليغ كتمان شيء مما أمروا به، و ضد الفطانة الغافلة.
* و أما الجائز في حقهم فهو سائر الأعراض البشرية التى لا تؤدى إلى نقص في مراتبهم العلية؛ كالأكل و الشرب و النوم، و ما يكون من توابع الصحة أو مما لا يستغنى عنه كالجماع للنساء حلالا، سواء كان بالنكاح أو بالملك، فيجوز لهم الوطء بالنكاح لما عدا الكتابية و المجوسية، و نحوهما، و ما عدا نكاح الأمة و لو مسلمة؛ لأنها إنما تنكح لخوف العنت، و لعدم المهر، و كلّ منهما منتف؛ أما الأوّل فللعصمة، و أما الثانى فلأنه يجوز للنبى أن يتزوج بدون مهر. و يعلم من تقييد النكاح بالحلال أنهم لا يطئون صائمات صوما مشروعا، و لا معتكفات كذلك، و لا حائضات و لا نفساء و لا محرمات بحج و لا عمرة.
و لا يجوز الاحتلام كما صححه النووي؛ لأنه من الشيطان، و قد ورد: «ما احتلم قط».
و أما جواز وطئهم لملك، فيكون للأمة الكتابية معلّلا بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شريف عن أن يضع نطفته في رحم غير مسلمة، و بأنها تكره صحبته، و أما الأمة المسلمة بالملك فجائز باتفاق.
و يجوز عليهم المرض غير المنفّر، و الإغماء غير الطويل، بخلاف الجنون قليله و كثيره، و أما سحر لبيد ابن الأعصم له (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مشط سنة سبع من الهجرة بإغراء اليهود لبيد على ذلك بإعطائهم دنانير جعلتها له في مقابلة ذلك، فلم يؤثّر هذا السحر إلا في بعض جوارحه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا في عقله، فلم يكن قادحا في منصبه النبوي، و أما ما في بعض الروايات من أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صار يخيل إليه أن يفعل