نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٠٧ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
روى أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لزيد بن أرقم: لعلك غضبت عليه؟ قال: لا، قال:
فلعله أخطأ سمعك؟ قال: لا، قال: فلعله شبّه عليك؟ قال: لا، فنزلت آية لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون: ٨] لتصديق زيد بن أرقم، فبادر أبو بكر و عمر إلى زيد رضى الله تعالى عنهم ليبشّراه، فسبق أبو بكر فأقسم عمر ألا يبادره بعدها إلي شيء، و قال أسيد: أنت و الله تخرجه إن شئت، أنت العزيز و هو الذليل، و بلغ ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول- و كان حسن الإسلام، و اسمه أيضا عبد الله، و كان تبرّأ من أبيه عند نزول سورة المنافقين- مقالة أبيه، فاعترض أباه عند المدينة، و قال: و الله لا تدخل حتّى يأذن لك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأذن له، و حينئذ دخل، و قال: يا رسول الله، بلغنى أنك تريد قتل أبى عبد الله لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالديه مني، و إنى أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعنى نفسى أن أنظر إلي قاتل أبى عبد الله بن أبيّ يمشى في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر و أدخل النار، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «نرفق به و نحسن صحبته ما بقي معنا».
* و كانت في جملة السبى برّة بنت الحارث بن ضرار: سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ثابت بن قيس، و ابن عم له، فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصّته من برة، و كاتبها علي تسع أواق من ذهب، فدخلت عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أخبرته بإسلامها، و قالت له: إنى برة بنت الحارث سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت، و وقعت في سهم ثابت بن قيس، و ابن عم له، و خلّصنى ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة، و كاتبنى على مال لا طاقة لى به، و إنى رجوتك فأعنّى في مكاتبتي. فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): أو خير لك من ذلك؟ قالت:
ما هو؟ قال: أؤدى عنك كتابتك، و أتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله. فأرسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى ثابت بن قيس رضى الله عنه فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول الله، و أدّى ما كان كاتبها عليه و أعتقها، و تزوجها و هي ابنة عشرين سنة، و سماها «جويرية»، و كان اسمها «برة» كما سبق، و كذلك ميمونة، و زينب بنت جحش، كان اسم منهما «برة» فغيّره (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كذا كان اسم بنت أم سلمة «برة» فسماها «زينب» و كانت من أفقه نساء زمانها، كذا ذكره أبو عمر.
و سبب ذلك لما في «برة» من تزكية النفس.