نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٠٦ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
* و في هذه الغزوة قتل رجل من الأنصار رجلا من المسلمين خطأ يظنه كافرا، و القتيل هشام من بني ليث بن بكر، و كان أخوه مقيس مشركا، فقدم المدينة، و أظهر الإسلام طالبا دية أخيه، فأمر له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بها، و أقام قليلا، ثم عدا علي قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدّا، و من قوله:
حللت به و تري و أدركت ثورتي * * * و كنت إلي الأوثان أوّل راجع
و هو ممن أهدر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دمه يوم فتح مكة.
* و في هذه الغزوة أيضا ازدحم جهجاه الغفارى- أجير عمر رضى الله عنه- و سنان الجهنى- حليف الأنصار- علي الماء و تقاتلا، فصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، و صرخ الجهني: يا معشر الأنصار، فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق و عنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، فقال ابن أبي بن سلول: «أو قد فعلوها، قد كاثرونا في بلادنا، أما و الله، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ» (يعنى بالأعز نفسه و بالأذل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم))، ثم قال لمن حضر من قومه: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، و قاسمتموهم علي أموالكم، أما و الله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا عنكم، فأخبر زيد بن أرقم ذو الأذن الواعية- و هو غلام حديث السن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك، و عنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مر به عبد الله بن بشير فليقتله، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): كيف يا عمر يتحدث الناس إذن أن محمدا يقتل أصحابه [١]، ثم أمر بالرحيل في وقت لم يكن ليرحل فيه، ليقطع ما الناس فيه، فلقيه أسيد بن حضير و قال: يا رسول الله رحت في ساعة منكرة لم تكن لتروح فيها، (فإنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا يرحل إلا إن برد الوقت) فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما بلغك ما قال عبد الله بن أبيّ بن سلول!؟
فقال: و ما ذا قال؟ فأخبره بمقاله، و أرسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلي عبد الله بن أبيّ فأتاه، فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فحلف عبد الله أنه لم يقل ذلك.
[١] ليس هذا من الصحابة رضى الله عنهم، و إنما هو رأس النفاق و المنافقين لعنه الله، و إنما خشى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يفترى الناس هذه الفرية فيما بعد، و يستدلوا عليها بهذا الصنيع، فلذلك أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعدم قتله. و الحديث رواه البخارى عن جابر بلفظ: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه».