نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠٦ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
عينيه و قال: ما الّذي يبكيك يا أبا بكر؟ فقال: حبيبي، افتكرت في شيء أنا خائف منه، قال: ما هو؟ قال: فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ [١]، و هذا دين يبقى بعدك و نخاف أن تحتج علينا الأعداء من بعدك، و يقولون إن الله أمر نبيكم بجهاد الكفار و المنافقين، فجاهد الكفار و لم يجاهد المنافقين، و نخاف أن يكون ذلك نقص في الدين، فمن يقضى دينك و يجاهد الكفار و المنافقين، من بعدك، فلزم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) يد أبى بكر، و قال: أنت قاضى دينى و القاتل من يرتد عن ديني، أ ما سمعت قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ؟» [المائدة: ٥٤].
قالت عائشة رضى الله عنها: إنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يقول قبيل وفاته: «لا إله إلا الله؛ إنّ للموت سكرات» و إنه أشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: «اللهمّ الرفيق الأعلى (أى نهاية مقام الروح و هو الحضرة الواحدية)؛ فالمسئول إلحاقه بالمحل الّذي ليس بينه و بينه أحد في الاختصاص.
و في حديث مرسل أنه قال: «اللهمّ إنك تأخذ الروح من بين العصب و القصب و الأنامل، اللهم فأعنّى على الموت و هوّنه عليّ» [٢] [و القصب عروق الرئة، و الرئة: مهموزة مخفّفة]، و أما حديث: «اللهم الرفيق الأعلى» فكان اخر كلمة تكلم بها، و لما رأت فاطمة ذلك قالت: «وا كرباه» فقال: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» [٣]، و كلما أفاق أوصى بالمحافظة على الصلاة [٤]، و في تلك الشدائد زيادة رفع درجات للأصفياء، و كفّارة سيئات لأهل الابتلاء.
و قد توفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ابن ثلاث و ستين، و كذا الصحيح في سن أبى بكر و عمر و عائشة ثلاث و ستون سنة، و هذا أحسن مدة العمر بعد النصر و الفتح المبين.
و اختلف في مدّة مرضه: فقيل اثنا عشر يوما، و قيل ثلاثة عشر يوما، و قيل أربعة عشر يوما.
[١] التوبة: ٧٣.
[٢] عزيز على الروح الطاهرة أن تفارق الجسد الطاهر.
[٣] و مما قالوه: إن الدنيا بالنسبة له هى الكرب، أما و قد خرج من الدنيا فلا كرب عليه.
[٤] كان يكرر: «الصلاة و ما ملكت أيمانكم» رواه أحمد، و النسائي، و ابن ماجه، و الطبراني.