نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٣٠ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
* و في غزوة خيبر أهديت للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) الشاة المسمومة، فأخذ منها قطعة و أكلها، و أكل القوم، فقال: «ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة»، فمات بشر بن البراء، و كان بشر قد أساغ تلك اللقمة و المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يسغها لكنها أثرت في فمه و لهواته قبل أن ينطق الله له ذراعها بالتحذير مما دسّ فيها من السم القاتل من ساعته، و دعا (صلّى اللّه عليه و سلّم) باليهودية فاعترفت، ثم قال لها: «ما حملك على ما صنعت؟ قالت: إن كنت نبيا لم يضرّك الّذي صنعت، و إن كنت ملكا أرحت الناس منك، فقال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك»، و لم يعاقبها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، و إلى ذلك يشير صاحب الهمزية (رحمه الله تعالى) بقوله:
ثم سمّت اليهودية الشا * * * ة و كم سام الشّقوة الأشقياء
فأذاع الذراع ما فيه من ش * * * رّ بنطق إخفاؤه إبداء
و بخلق من النّبيّ كريم * * * لم تقاصص بجرحها العجماء
[أى ثم جعلت اليهودية السمّ القاتل في الشاة، و مرات كثيرة يطلب الشقوة و يتحلّى بها الاشقياء، الذين لا خلاق لهم، فأخبر ذلك الذراع النبىّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالنطق بما فيه من سم، و إخفاء ذلك النطق عن الحاضرين إبداء و إظهار له (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و بسبب ما تحلى به (صلّى اللّه عليه و سلّم) من كمال الحلم و العفو، لم تقاصص تلك المرأة بجرحها، أى بجرح سمّها، لأن السم يجرح الباطن، كما يجرح الحديد الظاهر].
و ما قيل: إنه أمر بها فقتلت به قصاصا، لعله هو عين ما يروى عن ابن عباس أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء، بهذا يفسّر قول ابن إسحاق «أجمع أهل الحديث أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قتل اليهودية التى سمّته» و قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مرض موته: «إن أكلة خيبر لم تزل تعاودنى، و هذا زمان انقطاع أبهرى» [١] [و الأبهر عرق في الظهر و قيل: هو عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق بعده حياة، و قيل: الأبهر [٢] عرق منشؤه من الرأس، و يمتد إلى القدم، و له
[١] قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما زالت أكلة خيبر تعاودنى كل عام حتّى كان هذا أوان قطع أبهرى» [رواه ابن السنى و أبو نعيم في الطب عن أبى هريرة].
[٢] الأبهر: الظهر، عرق فيه، و وريد العنق، و الأكحل، و هو: عرق في اليد، و هو عرق الحياة.