نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠٧ - كفالته عليّا
إن لم تنهه و إلا نازلناك و إياه حتّى يهلك أحد الفريقين. فعظم عليه، و قال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا ابن أخي إن قومك قالوا لى كذا و كذا. فظنّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّ عمّه خاذله، فقال:
«يا عمّ لو وضعوا الشمس في يمينى و القمر في شمالى ما تركت هذا الأمر»، ثم استعبر [١] فبكي، و قام (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فناداه أبو طالب: أقبل يا ابن أخي و قل ما أحببت، فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا.
فأخذت كل قبيلة تعذّب كلّ من أسلم منها؛ فمن لا عشيرة له تمنعه يعذبونه بأنواع التعذيب، و يقال له: «لا تزال هكذا حتّى تموت أو تكفر بمحمد و تعبد اللات و العزّى» و من المسلمين من مات من تعذيب المشركين، و كان بعض المشركين يؤذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقولهم: إنّ ما جاء به من الآيات سحر يؤثر، و من قول البشر، و أساطير الأولين.
و منع اللّه رسوله بعمّه أبى طالب، و مع ذلك فلا زال أذاهم شديدا عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى أسلم عمّه حمزة، فقلّ أذاهم، و كان إسلامه سنة خمس من النبوة، قبل إسلام عمر بن الخطاب بثلاثة أيام. و في «المواهب اللدنية» [٢] قال حمزة حين أسلم:
خمدت اللّه حين هدى فؤادي * * * إلي الإسلام و الدين الحنيف
لدين جاء من ربّ عزيز * * * خبير بالعباد بهم لطيف
إذا تليت رسائله علينا * * * تحدّر دمع ذى اللّب الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها * * * بآيات مبيّنة الحروف
و أحمد مصطفى فينا مطاع * * * فلا تغشوه بالقول العنيف
فلا و اللّه نسلمه لقوم * * * و لمّا نقض فيهم بالسيوف
و في هذه السنة أعز اللّه الإسلام أيضا بإسلام عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كما سيأتى.
[١] هو استفعل من القبرة، و هى تحلّب الدمع.
[٢] للقسطلاني.