نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٧ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
تعالى، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:
١٨] كما سبق، و عن جابر أنهم كانوا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعوه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عمر اخذ بيده تحت الشجرة (و هى سمرة) غير الجدّ بن قيس اختفى تحت بطن بعيره. زادوا في رواية: و قيل عدد المبايعين خمس عشرة مائة فأكثر، و قيل غير ذلك. قال أهل السير: أقام النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عشرين يوما بالحديبية، ثم رجع (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة، و ما فتح من قبله فتح أعظم من هذا الفتح، فلما كانت الهدنة، و وضعت الحرب أوزارها، و أمن الناس بعضهم بعضا، التقوا و تفاوضوا في الحديث و المنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام أحدا إلا دخل فيه، فلقد دخل في مدة سنتين فى الإسلام مثل ما كان قبل ذلك، أو أكثر، ببركة مهادنته (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و لما رجع (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلي المدينة حتّى إذا كان بين مكة و المدينة (بكراع الغميم) نزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (*) إلي اخرها، و سمّى فتحا لأنه كان مقدمة لفتوح كثيرة تتسع بها دائرة الإسلام، و لما نزلت قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه:
«أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس» [١].
ثم إن أبا بصير «عتبة بن أسد بن حارثة» هرب و لحق بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان قد أسلم و حبسه قومه بمكة، و هو ثقفى، من حلفاء بنى زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف و عم عبد الرحمن بن عوف، و الأخنس بن شريق سيد بني زهرة كتابا مع رجل من بني عامر بن لؤي، و معه مولي لهم بطلب أبى بصير، فأسلمه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاحتملاه، فلما نزلوا بذى الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين، ثم ضرب به العامرى فقتله، و فرّ الآخر، و أتى أبو بصير إلي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول الله، قد وفت ذمتك حيث رددتنى إليهم، و أطلقنى الله منهم، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ويلمه (أى ويل أمه) مسعر حرب، لو كان له رجال» ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده، و خرج إلى سيف [٢] البحر علي طريق
* الفتح: ١.
[١] رواه الإمام أحمد بلفظ: «نزل عليّ البارحة سورة هى أحب إليّ من الدنيا و ما فيها» و رواه البخارى و الترمذي و النسائى من طرق عن مالك (رحمه الله)، و إسناده مدنى جيد، انظر بتوسع تفسير ابن كثير (رحمه الله).
[٢] سيف البحر: ساحل البحر.