نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٥ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
قد عظم علي المسلمين، حتّى كادوا يهلكون، لمّا رأوا ما رأوا من الصلح و الرجوع من غير فتح، و قد كان أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما خرجوا من المدينة لا يشكّون في فتح مكة للرؤيا التي رآها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هذه الشروط الصعبة التي انضم إليها أمره (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعليّ رضى الله تعالى عنه في كتب الصحيفة أن يمحو لفظ رسول الله، و لم يمحه، و محاه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كتب بدله «ابن عبد الله» بيده، فكان هذا من الخطب الجسيم الّذي يوقع الريب في القلوب الضعيفة، حتى لمن لا يفهم الأسرار في الأزمان الحديثة، و الحال أنها واردة و ثابتة بالأحاديث الصحيحة، فما يقع في الوهم من أن هذه الكتابة قادحة في المعجزة باطل؛ لأن الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف و لا قوانين الخط و أشكالها بقيت الأمية علي ما كانت عليه، و كانت هذه الكتابة الخاصة من إحدى المعجزات و تمامها، كما كان من المعجزات في كتابة شروط الصلح إخباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليّا أنه سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة، و هو إشارة منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما سيقع بين علي و معاوية رضى الله عنهما؛ فإنهما في حرب صفّين وقعت بينهما المصالحة علي ترك القتال إلى رأس الحول، و صحّ ذلك و ظهر يوم التحكيم لما قال حكم أهل الشام حين كتب في الصلح: «هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبى طالب»: «لو عرفنا أنك أمير المؤمنين ما خالفناك، كما سيأتى مبينا في خلافته.
و أما ما ورد من أنه رضى الله تعالى عنه في عام الحديبية، و في غزوة بني المصطلق قاتل الجن، و أن جبريل قال يوم غزوة أحد و هو صاعد إلي السماء: «لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي» فهذا من الموضوع- كما ذكره ابن تيمية [١]- يعني أنه موضوع لم يرد من طريق يعتدّ به، و إن كان المدح في عليّ لا يستكثر عليه و ذلك للإجماع علي شجاعته و كرامته، و المراد بالفتي: الشجاع السيد، و في الحديث: أن ملكا يقال له رضوان نادي يوم بدر من السماء: «لا فتى إلا علي و لا سيف إلا ذو الفقار» و قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أنا الفتى ابن الفتي، أخو الفتي، ابن الفتى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعنى إبراهيم، و أخو الفتى يريد عليا كرّم الله وجهه» انتهى.
[١] ذو الفقار هو سيف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ابن تيمية ليس من رجال الحديث، حتّى يحكم، و قد خرّجه له المحب الطبرى في «الرياض النضرة»، و للحديث ترجمة طويلة في «المقاصد الحسنة» للسخاوى.