نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١١١ - الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة
الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة
* الهجرة الأولى إلى الحبشة: و لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء و التعذيب في الإسلام، و الفتنة، و رأى ما هو فيه من العافية من اللّه تعالى، ثمّ من عمه أبى طالب، و أنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، أذن (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، و قال لهم: «إن بها ملكا لا يظلم الناس ببلاده، فتحوّزوا [١] عنده حتّى يأتيكم اللّه بفرج منه».
و كانت أرض الحبشة متجرا لقريش، فخرجوا متسللين سرا و عدّتهم اثنا عشر رجلا و أربع نسوة، و كان فيهم عثمان بن عفان و معه زوجته رقية بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنزلوا بسفينتين للتجارة كانتا مسافرتين لذلك، حتى وصلوا للنجاشى ملك الحبشة، فكانت هذه هى أوّل هجرة في الإسلام. و كان قد خرج أثر المهاجرين جعفر بن أبى طالب مع أصحابه و زوجته أسماء بنت عميس، فتتابع المسلمون إلى الحبشة؛ فمنهم من هاجر بأهله و منهم من هاجر بنفسه، و لهذا صحّ للمسلمين قديما و حديثا الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، و من ديار الفسق إلى ديار الطاعة [٢]؛ فعلى المسلم أن ينتقل إلى الأرض التى يخفّ فيها الفسق أو الكفر إذا لم يجد دارا محضة لأهل الإسلام و التقوي، و يشهد لذلك هجرة المسلمين من مكة، و هى إذ ذاك دار كفر و جاهلية إلى أرض الحبشة، و هى دار كفر و أهل كتاب.
[١] يقال: تحوّز الرجل: تمكّث و تلبّث.
[٢] قول غير صحيح على إطلاقه؛ لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا هجرة بعد الفتح، و لكن جهاد و نية» و ذلك لأن المسلمين في وقت الدعوة في مكة لم يكن أمامهم إلا الهجرة، أما و قد فتحت مكة، فقد فتحت الأرض بعدها سهولها و جبالها و أوديتها للمسلمين ينشرون فيها الإسلام، و أصبحت بلاد المسلمين واسعة الأطراف، فإذا كان في بلد من بلاد المسلمين بدعة من البدع، فالثبات هو الفرض على كل مسلم لإزالة هذه البدعة، و الخروج من هذه البلاد فرار يعاقب عليه. و الهجرة نفسها لم تكن هروبا، و إنما كانت بحثا عن أرض تصلح للدعوة، فلما أمروا بالمدينة رجعوا إليها و استقرت بها الأمور، و كان الفتح المبين، و نصر اللّه دينه و أعزه، فلا هجرة بعد ذلك و لكن جهاد و نية. و اللّه تعالى أعلم.