نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٦ - رضاعه
* و بعد ذلك مضت حليمة [١] به إلى بلادها عند سعد بن بكر، فأتاه الملكان هناك و شقّا صدره الشريف و أخرجا قلبه فغسلاه بماء الثلج في طست من ذهب، و ملأه حكمة و إيمانا، و استخرجا حظ الشيطان منه (و هى مضغة سوداء) و في رواية علقة، فلما علمت حليمة بذلك رجعت به إلى مكة لأهله بعد أن أقام نحو أربعة أعوام، فردّته إلى أمه. و شقّ صدره الشريف أيضا و هو ابن عشر سنين، ثم عند مبعثه، ثم عند الإسراء، و الشق الأوّل الّذي عند حليمة كان في السنة الثالثة من مولده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قيل: كان في الرابعة. و لكلّ من الثلاث حكمة، فالأولى التى كانت في زمن الطفولية؛ لتطهيره عن حالات الصبا حتّى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، و لذلك نشأ (عليه السلام) على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. و التى عند المبعث زيادة في الكرامة؛ ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوى في أكمل الأحوال من التطهير. و التى عند إرادة العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة. و سكت عن حكمة شق صدره و هو ابن عشر سنين، فيحتمل أن يقال: لمّا كان العشر قريبا من سن التكليف شق صدره (عليه السلام) و قدس حتّى لا يتلبس بشيء مما يعاب على الرجال، و قد نظم بعضهم المواطن التى شق صدره فيها (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال:
أيا طالبا نظم الفرائد في عقد * * * مواطن فيها شقّ صدر لذي رشد
لقد شقّ صدر للنبي محمد * * * مرارا لتشريف، و ذا غاية المجد
فأولي له التشريف فيها مؤثّل * * * لتطهيره من مضغة في بني سعد
و ثانية كانت له و هو يافع * * * و ثالثة للمبعث الطيب النّد
و رابعة عند العروج لربّه * * * و ذا باتفاق، فاستمع يا أخا الرشد
و خامسة فيها خلاف تركتها * * * لفقدان تصحيح لما عند ذي النقد
و الحكمة في غسله بماء الثلج و البرد هى مع ما فيهما من الصفاء و عدم التكدر
[١] و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يكرمها، فقد روى أبو داود، و أبو يعلى «أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان بالجعرانة يقسم لحما فأقبلت امرأة بدوية؛ فلما دنت من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسط لها رداءه فجلست عليه، قال الطفيل راوى الحديث: فقلت: من هذه؟ قالوا: هذه أمه التى أرضعته» يعنى حليمة.