نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢٥ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
الفضل و يتألّف أهل الشرف، و يؤثر الداخل بوساده، و كان يخصف نعله و يرقع ثوبه، و يعود المرضى؛ حتى بعض الكفرة و المنافقين، و يشهد الجنائز، و يزور القبور، و يسلّم عليهم و يستغفر لهم، و لا يقام لغضبه إذا تعرّض للحق بشيء حتّى ينتصر له، و لا يغضب لنفسه و لا ينتصر لها، و لا يترك أحدا يقوم بين يديه و لا أن يمشى خلفه، و يقول: «خلّوا ظهرى للملائكة» [١] يخدم من خدمه، و له عبيد و إماء، و لا يترفع عليهم في مأكل و لا ملبس، قال أنس: «خدمته نحوا من عشر سنين، فو الله ما صحبته في حضر و لا سفر و لا خدمة إلا كانت خدمته لى أكثر من خدمتى له، و ما قال لى أف قط، و لا قال لشيء فعلت: لم فعلت كذا؟ و لا لشيء لم أفعله: لم لم تفعل كذا؟» و لا يجزى سيئة بمثلها، بل يعفو و يصفح، و يجود و يمنح، و كان يأكل ما وجد، و لا يتكلّف ما فقد، و يحبّ اللحم، و يعجبه الذراع، و سمّ فيه، و الدّبّاء و العجوة و العسل و الحلواء، و أحبّ الفاكهة إليه العنب و البطيخ، و كان أكثر طعامه التمر و الماء، و إذا لم يجد صبر، و لا يأكل واحده، و يعاف الضبّ، و الكلوتين [٢]، و أتي بلبن و عسل و قال: «أدمان في إناء؟ لا اكله و لا أحرّمه» و يأكل بثلاثة أصابع و يستعين بالرابع، و يتبع ما سقط من السفرة، و يقول من فعله غفر له، و يسمّى الله أولا و يحمده آخرا، و يأكل مقعيا لا متكّئا، و يقول: «اكل كما يأكل العبيد، و أجلس كما يجلس العبيد»، و قوله كما يأكل العبيد:
أى كأكل العبد في هيئة التناول و مصاحبة الرضا بما حضر تواضعا لله، لا كما يأكل أهل الكبر، و أهل الشّره، فالمراد بالعبد هنا الإنسان المتذلل المتواضع لربه، كما قاله المناوي، و قوله: و أجلس أى في حالة الأكل كما يجلس العبد، أى لأن التخلق بالأخلاق العبدية أشرف الأوصاف، لا كما يجلس أهل الكبر و أهل الشره من الاتّكاء، و ما أكل قطّ ذا رائحة كريهة لنزول الملك عليه بالوحى و مجالسته، بل و لغير الملك من نسائه و الناس. و لا يجمع بين لبن و سمك، و لا لبن و حامض، و لا بين حارّين و لا باردين، و لا قابضين و مسهلين، و لا غليظين، و يدفع ضرر
[١] رواه ابن سعد، و لفظه: «امشوا أمامي: خلوا ظهرى للملائكة».
[٢] و لم يحرّمهما «أما الضب فلأنه ليس مما يأكله قومه» و في الأصل «الطحال» و لعله كان يعاف الطحال كذلك و التصحيح من «الشمائل» للترمذي، و أما الكلوتين فلمكانهما من البول.