نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٣٢ - * و أما الهجرة الثانية
النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رجع إلى قومه، فأسلم منهم على يده ناس قليل، فرجع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فشكا ذلك إليه و سأله أن يدعو عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا» ارجع إلى قومك فادعهم و ارفق بهم. قال الطفيل: فلم أزل أدعوهم حتّى مضى الخندق، ثم قدمت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.
و قدم عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عشرون رجلا من نصارى نجران (مدينة بالحجاز، من شق اليمن معروفة، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، و هو أوّل من نزلها) و قال في النهاية: (موضع معروف بين الحجاز و الشام و اليمن) حين بلغهم خبر من هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فوجدوه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المسجد، فجلسوا إليه و سألوه و كلموه، و رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون إليهم، فلما فرغوا من مسألة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما أرادوا، دعاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى اللّه تعالى، و تلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له و آمنوا به، و عرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم اللّه من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون (أى تنظرون) الأخبار لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتّى فارقتم دينكم فصدّقتموه بما قال! لا نعلم ركبا أحمق منكم.
فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه و لكم ما أنتم عليه. و يقال:
نزل فيهم قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله: لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٢: ٥٥]. و نزل قوله تعالى: وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ [المائدة: ٨٣]. و كان من القادمين على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أميرهم العاقب عبد المسيح (من كندة). ثم خرج (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الطائف.
قال الحافظ ابن عبد البرّ و غيره: أوّل موروث في الإسلام عديّ بن نضلة، و أوّل وارث نعمان بن عدي، و كان عدى قد هاجر إلى أرض الحبشة فمات بها، فورثه ابنه نعمان، و استعمله عمر على ميسان، و لم يستعمل من قومه غيره، فراود امرأته على الخروج فأبت، فكتب إليها يقول: