نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨٥ - الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة و ما فيها من الغزوات
فيها، بل أعلم الناس بوجههم ليكون تأهّبهم بحسب ذلك، و مع هذا الاجتهاد في الاستعداد لم يلق فيها حربا، و لا افتتح بلدا، و ذلك لأن أجلّ فتوح الشام لم يكن بعد، فانتسخ العزم بالقدر و بجفاف القلم [١].
و رجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة و على المسلمين الوقار و السكينة من غير اضطراب عند انصراف العزيمة، و قد تقدم بعض ذلك [٢].
* و في هذه السنة هدم مسجد الضرار الّذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز فى سورة براءة: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً ... [التوبة: ١٠٧] الآية أنزلت في جماعة من المنافقين بنوا مسجدا أيضا يضارّون به مسجد قباء، و كانوا اثنى عشر رجلا من أهل النفاق، و كانوا جميعا يصلّون في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضرار ليصلّى فيه بعضهم، فيؤدّى ذلك إلى الاختلاف و افتراق الكلمة، و لما فرغوا أتوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يتجهّز إلى تبوك و قالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذى العلة و الحاجة و الليلة المطيرة الشاتية، و إنّا نحب أن تأتينا و تصلّى لنا فيه، و تدعو بالبركة، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنى على جناح سفر، و لو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا»، و لما انصرف (صلّى اللّه عليه و سلّم) من تبوك و نزل ب «ذى ودان» (موضع قريب من المدينة) أتوه فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه و يأتيهم، فنزل عليه القرآن، و أخبره اللّه خبر المسجد الضرار و ما همّوا به، فدعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عامر بن عديّ، و عامر بن السكن، و قال لهم: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه و احرقوه»، فخرجوا سريعا فحرقوه و هدموه، و تفرق عنه أهله.
و في دخول هذه السنة على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو بالمدينة، قبل غزوة تبوك تتابعت الوفود من جميع الجهات؛ فإنهم كانوا منتظرين ما يقع له (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع قومه، فلما حصل الفتح دخل الناس في دين الله أفواجا، و ورد عليه عروة بن مسعود الثقفي، و كان غائبا عن حصار الطائف، فأسلم و حسن إسلامه فقال: أمضى إلى قومى و أدعوهم، فقال له (صلّى اللّه عليه و سلّم): إنهم قاتلوك. فكان كما قال؛ حيث رمى بسهم في سطح بيته، و هو يؤذّن للصلاة، فمات، و منع قومه من الطلب بدمه، و قال: «هى
[١] يقصد قول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «جف القلم بما هو كائن».
[٢] فى الأصل: «فى الفصل الرابع عشر من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل».