نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨٢ - الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة و ما فيها من الغزوات
النفس أو لتعلقات الدنيا، و أما إذا كان المهجور مبتدعا أو متجاهرا بالفسق و نحو ذلك فلا تحرم هجرته، لما ثبت من هجر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الثلاثة الذين خلّفوا [١].
و لم يجاوز (صلّى اللّه عليه و سلّم) «تبوك»، حيث استشار أصحابه في مجاوزتها، فقال له عمر رضى الله عنه: إن كنت أمرت بالسير فسر، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لو أمرت بالسير لم أستشركم فيه» فقال: يا رسول الله: إن للروم جموعا كثيرة، و ليس بها أحد من أهل الإسلام، و قد دنونا، و قد أفزعهم دنوّك، فلو رجعنا هذه السنة حتّى نرى أنفسنا أو يحدث الله أمرا. و هذا تصريح بأن تبوك لم يقع فيها مقاتلة، و لا حصل فيها غنيمة، و إنما أتاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو بها «يحنّة» (بضم المثناة تحت، و فتح الحاء المهملة ثم نون مشدّدة مفتوحة، ثم تاء التأنيث) «ابن روبة» (بالمواحدة) صاحب «أيلة» [٢] و صحبته أهل «جرباء» تأنيث أجرب، يمد و يقصر، قرية بالشأم، و أهل (أذرح) [٣] بالذال المعجمة الساكنة و الراء المهملة المضمومة و الحاء المهملة (مدينة تلقاء السراة) و «أهل مينا»، و أهدى «يحنّة» رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بغلة بيضاء، فكساه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بردا، و هو البردة التي كانت عند خلفاء بنى العباس، اشتراها من أهل (أيلة) [٤] أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، و كانت التى اشتراها معاوية من ذرية كعب بن زهير، فقدت عند زوال دولة بنى أمية [٥]. و قد تقدم في غزوة فتح مكة أن بردة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) التى خلعها على كعب بن زهير جائزة علي قصيدته المشهورة، قد اشتراها معاوية من ذريته، ثم فقدت بزوال بني أمية، بخلاف هذه. فليراجع في محله [٦].
[١] إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل ممن قبل، و لم يقبل من هؤلاء الثلاثة لأن لهم منزلة عنده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأراد أن يؤدبهم أدبا خاصا، إسلاميا صرفا، لا لقصد الهجر، فهجر المسلم لأمر من الأمور الدنيوية هو المذموم، أما إن كان لأجل الدّين فهو المطلوب.
[٢] مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) مما يلى الشام، و هى اخر الحجاز و أوّل الشام.
[٣] بلد من أعمال عمان، بالبلقاء من أرض الشام، قرب السراة من ناحية الحجاز.
[٤] بضم الراء، بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة، من نواحى بلقان و عمان.
[٥] هناك بردتان: إحداها اشتراها معاوية من ذرية كعب بأربعين ألف درهم، و الثانية أهداها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لصاحب أيلة نظير إهدائه البغلة، و هى التى اشتراها السفاح من أهل أيلة، و أخذها التتر.
[٦] فى الأصل: فى الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ.