نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤١٨ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
بأبى أنت و أمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النار يودّون لو كانوا أطاعوك و هم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: ٦٦].
بأبى أنت و أمى يا رسول الله، إن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار، فما ذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء [١]! صلى الله عليك.
بأبى أنت و أمى يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه اللّه الريح غدوّها شهر و رواحها شهر، فما ذلك بأعجب من البراق حيث سرت عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح بالأبطح صلّى الله عليك.
بأبى أنت و أمى يا رسول الله، لئن كان عيسى ابن مريم أعطاه الله إحياء الموتى، فما ذلك بأعجب من الشاة المسمومة حتّى كلمتك و هى مشوية فقالت:
«لا تأكلنى فإني مسمومة».
بأبى أنت و أمى يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦] و لو دعوت علينا مثلها لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، و أدمى وجهك، و كسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون».
بأبى أنت و أمى يا رسول الله لقد اتّبعك في قلة سنك و قصر عمرك ما لم يتّبع نوحا في كبر سنّه و طول عمره؛ فلقد آمن بك الكثير، و ما آمن معه إلا القليل.
بأبى أنت و أمى يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفؤا ما جالستنا، و لو لم تنكح إلا كفؤا ما نكحت إلينا، و لو لم تؤاكل إلا كفؤا ما اكلتنا، لبست الصوف، و ركبت الحمار، و وضعت طعامك بالأرض، و لعقت أصابعك تواضعا منك».
و وصفه عليّ رضى الله عنه فقال: «ليس بالطويل، و لا بالقصير، ضخم الرأس،
[١] رواه مسلم في حديثه الطويل في غزوة بواط و غيره في الصحاح.