نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٧٠ - و مباح
المشرفة، ثم أهل المدينة المنورة، ثم أهل مصر في السنين المتقدمة و المتأخرة، ثم غيرهم، تقبّل الله عملهم.
و أوّل من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين به، و به اقتدى في ذلك السلطان الملك المظفر صاحب «إربل» فى الجامع المظفرى الّذي للحنابلة بصالحية دمشق ( «و إربل» مدينة بقلعة على مرحلتين من الموصل)، فكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأوّل، و يحتفل به احتفالا هائلا. يكثر فيه من الصدقات و المعروف و إظهار الزينة و السرور، مما يجلّ عن الوصف، و إنفاقه بسببه ألوفا من المال الطيّب الحلال، و كان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء و الصوفية، فيخلع عليهم و يطلق لهم (يعنى الأعطية) و كان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار.
و لما اجتاز الحافظ ابن دحية بإربل، و وجد ملكها المظفر يعتنى بالمولد الشريف عمل له كتاب «التنوير في مولد البشير النذير» و قرأه عليه بنفسه، فأجازه على ذلك بألف دينار».
و قال الشيخ جلال الدين المعروف بالمخلّص: «مولده (صلّى اللّه عليه و سلّم) مجمّل مكرّم، قدّس يوم ولادته و شرف و عظم، و كان وجوده مبدأ سبب النجاة لمن اتبعه، و تقليل حظ جهنم ممن أعدّ لها لفرحه بولادته (صلّى اللّه عليه و سلّم). و تمت بركاته على من اهتدى به، فشابه هذا اليوم الجمعة من حيث إن يوم الجمعة لا تسعّر فيه جهنم [١] هكذا ورد عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم))، فمن المناسب إظهار السرور، و إنفاق الميسور.
قال العلامة الشمس ابن الجوزى في اخر كتابه «التعريف بالمولد الشريف»:
«فإن قيل: فلم لم تتخذ أمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) مولده عيدا كما اتخذت أمة عيسى (عليه السلام) ليلة مولده عيدا؟
فالجواب أنه لما كان يوم مولده (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو يوم وفاته، تكافأ السرور بالعزاء، و هذا أحسن ما خطر لى في ذلك، و قد يقال: إنه لما اختلف فيه لم يتعين، أو يقال
[١] و لفظه كما جاء في الإحياء: «إن الجحيم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء، فلا تصلوا في هذه الساعة، إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله و إن جهنم لا تسعر فيه» رواه أبو داود.
و روى أبو داود أيضا عن قتادة: «إن جهنم تسجّر، إلا يوم الجمعة».