نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦٩ - و مباح
و قال العلّامة صدر الدين موهوب بن عمر الجزرى الشافعي: «هذه بدعة لا بأس بها، و لا تكره البدع إلا إذا راغمت [١] السنة، و أما إذا لم تراغمها فلا تكره، و يثاب الإنسان بحسب قصده في إظهار السرور و الفرح بمولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)». و قال فى موضع اخر: «هذه بدعة لا بأس بها، و لكن لا يجوز له أن يسأل الناس، بل إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أن نفس المسئول تطيب بما يعطيه فالسؤال لذلك مباح، أرجو ألا ينتهى إلى حد الكراهة».
و قال العلامة نصير الدين المبارك الشهير بابن الطبّاخ: «ليس هذا من السنن، و لكن إذا أنفق المنفق في هذا اليوم أو تلك الليلة، و أظهر السرور فرحا بمولده (صلّى اللّه عليه و سلّم) و دخوله في الوجود، و جمع جمعا أطعمهم ما يجوز، و اتخذ السماع الخالى عن اجتماع الأحداث، و إنشاد ما يثير نار الشهوة من العشقيات و المشوقات للشهوات الدنيوية، كالقد و الخد و العين و الحاجب، و أنشد ما يشوّق إلى الآخرة و يزهّد في الدنيا، و دفع للمسمع ملبوسا، فهذا اجتماع حسن جائز يثاب قاصد ذلك و فاعله عليه إذا أحسن القصد، و لا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء إلا أن يقصد مواساة الأحوج، فالفقراء أكثر ثوابا، إلا أنّ سؤال الناس ما في أيديهم لذلك فقط بدون ضرورة و حاجة مكروه، و اجتماع الصلحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام، و يذكروا الله تعالى، و يصلّوا على رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يضاعف القربات و المثوبات، أما إذا كان الاجتماع مما ينهى عنه شرعا فإنه مجمع آثام».
و قال الحافظ أبو الخير في فتاويه: «عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، و إنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار و المدن الكبار يحتفلون في شهر مولده (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهيجة الرفيعة، و يتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، و يظهرون السرور و يزيدون في المبرات، و يعتنون بقراءة مولده الكريم، و يظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. ا ه.
و قال العلامة أبو الخير ابن الجزرى المقرئ: «من خواصه أنه أمان في ذلك العام، و بشرى عاجلة بنيل البغية و المرام، و لو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان و سرور أهل الإيمان لكفي، و إذا كان قوم عيسى اتخذوا ليلة مولده عيدا أكبر؛ فكذلك أهل الإسلام أولى بالتكريم و أجدر. و أكثر الناس عناية بذلك أهل مكة
[١] راغم فلانا: أي هجره و عاداه.