نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥١ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
و على ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد براية رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى شاط [١] فى رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل حتّى إذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عرقبها [٢]، ثم قاتل القوم حتّى قتل رضى الله تعالى عنه، و هو يقول:
يا حبّذا الجنة و اقترابها * * * طيّبة و بارد ضرابها
و الروم روم، قد دنا عذابها * * * عليّ إذ لاقيتها ضرابها
و قد سبق ذكر هذه الغزوة عند الكلام على قيصر هرقل- فى الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ.
* و في هذه السنة- على ما في أسد الغابة- أو السابعة، أو التاسعة من الهجرة، اتخذ المنبر لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أثل الغابة، و في رواية: من طرفاء الغابة، للخطبة، و هى الكلام المنثور المسجع، و هو أوّل منبر عمل في الإسلام.
* و فيها كان مولد إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو ثالث أولاده.
* و فيها وفاة زينب بنته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هى أكبر بناته (صلّى اللّه عليه و سلّم).
* و في هذه السنة كان نقض الصلح، و غزوة فتح مكة الّذي هو أعظم الفتوح الإسلامية؛ لأن الله أعز دينه و رسوله و جنده و حرمه و بلده و بيته، و استبشر به أهل السماء، و ضرب أطناب عزه على مناكب الجوزاء، و دخل الناس في دين الله أفواجا، و أشرق به وجه الدهر ضياء و ابتهاجا، و أزال الله به الشرور، و زاد به المصطفى السرور، و ذلك أن بنى بكر بن عبد مناف اعتدت على خزاعة، و هم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له «الوتير» [٣] و كان في صلح الحديبية أنه [٤] لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، و لا يتعرضون لمن دخل في عقده، يعنى اصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، و يكف
[١] شاط بمعنى «قتل» رضى الله عنه.
[٢] أى قطع عرقوبها و هو ما يوازى الركبة. و فعل ذلك حتّى لا تفرّ.
[٣] و قيل: هو ما بين عرفة إلى أدام، كذا في مراصد الاطلاع.
[٤] أى الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم).