نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٢ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
بعضهم عن بعض، و أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عهده دخل فيه، و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل فيه، و كانت خزاعة ممن دخل في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عقده، و بنو بكر ممن دخل في عهد قريش و عقدهم، و كانت بينهم حروب في الجاهلية، فكلمات بنى بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال و السلاح، فواعدوهم و وافوهم متنكرين، فبيّتوا خزاعة، أى جاءوا ليلا بغتة فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريش على ما فعلوا، و علموا أن هذا نقض للعهد الّذي بينهم و بين رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و خرج عمرو بن سالم الخزاعى في طائفة من قومه، حتى قدموا عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة مستغيثين، و كان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عمرو على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو جالس في المسجد، و أنشده أبياتا، و هى:
لاهم إنّى ناشد محمّدا * * * حلف أبينا و أبيه الأتلدا
فوالدا كنّا و كنت الولدا * * * و واحدا كنت و كنّا العددا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا * * * و نقضوا ميثاقك المؤكّدا
و زعموا أن لست تدعو أحدا * * * و هم أذلّ و أقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا * * * و قتلونا ركّعا و سجّدا
فانصر هداك اللّه نصرا أبدا * * * و ادع عباد الله يأتوا مددا
فلما سأله بهذه الأبيات أن ينصره، قال له (صلّى اللّه عليه و سلّم): «نصرت يا عمرو بن سالم» و دمعت عيناه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال «لا ينصرنى الله إن لم انصر بنى كعب مما أنصر به نفسى»، و بنو كعب هم خزاعة. ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من خزاعة عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبروه بما أصيب منهم، و مظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، و قد كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال للناس: «كأنكم بأبى سفيان، و قد جاء ليشدّد في العقد و يزيد في المدة، و قد وهبوا الّذي صنعوا» فلما لقى أبو سفيان بديلا، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ فظن أنه رسول الله، قال:
سرت إلى خزاعة في هذا الساحل، و في بطن هذا الوادى، قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل مكة، قال أبو سفيان: لئن كان بالمدينة لقد علف بها. فعمد إلى منزل ناقته، فأخذ من بعرها ففتّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتّى قدم المدينة ليجدّد العهد،