نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨ - طهارة مولده و شرفه
و لا يبعد على من أنجى به الثقلين [١] أن ينجى به الأبوين، و لا عبرة باحتجاج المنكر في هذا المقام العظيم، بأنه نزل فيهما: وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة: ١١٩] فقد تقرر في علوم الحديث أن سبب النزول حكمه حكم الحديث المرفوع، لا يقبل منه إلا الصحيح المتصل الإسناد، لا الضعيف و لا المقطوع، و سبب النزول لا يعرف له (كما قال السيوطي) إسناد صحيح متصل، و لا ينكر ذلك أحد من المحدّثّين، مع ما ينضم إلى ذلك من بلاغة الخطاب، و أن الآيات من قبل و من بعد كلها في أهل الكتاب، فدلّت الآية علي أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب، و يؤيد ذلك أن السورة مدنية، خوطب فيها من بنى إسرائيل الذرية، و أكثر ما خوطب فيها اليهود الناقضون ما في التوراة من العهود، على أنه قد قيل بصحة الأحاديث الدالّة على أن العرب لم يكفر منهم أحد من عهد إبراهيم إلى عهد عمرو بن لحيّ الخزاعيّ، فهو أوّل من عبد الأصنام و غيّر دين إبراهيم (عليه السلام)، و راه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسبب ذلك يجرّ قصبه فى النار، أى أمعاءه. و قد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال:
«كان عدنان و معد و ربيعة و مضر و خزيمة و أسد على ملة إبراهيم؛ فلا تذكروهم إلا بخير». و في الروض الأنف «لا تسبّوا إلياس فإنه كان مؤمنا» و في دلائل النبوة لأبى نعيم أن كعب بن لؤى أوصى ولده بالإيمان بالنبي، قاله السيوطي، و قال أيضا: «و أما كلاب و قصىّ و عبد مناف و هاشم فلم أظفر فيهم بنقل جازم».
و أما عبد المطلب ففيه خلاف [٢] و الأشبه أنه من أهل الفترة، و ممن لم تبلغه الدعوة، و قد استشهد القبيل القائل بإيمانه بقوله في قصة أصحاب الفيل:
لا همّ إنّ المرء يمنع * * * حلّه فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهم و مح * * * الهم غدوا محالك
جرّوا جموع بلادهم * * * و الفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم * * * جهلا و ما رقبوا جلالك
إن كنت تاركهم و كع * * * بتنا فأمر ما بدا لك
[١] الإنس و الجن.
[٢] جاء عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «يبعث جدى عبد المطلب في زى الملوك و أبهة الأشراف» كذا من السيرة الحلبية.