نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٥ - مسألة رؤية اللّه
الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لو كان معها فيه حديث لذكرته، و إنما اعتمدت الاستنباط من الآيات، فأما احتجاجها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فجوابه ظاهر؛ فإن الإدراك هو الإحاطة، و الله تعالى لا يحاط به، و إذا ورد النص بنفى الإحاطة لا يلزم منه نفى الرؤية بغير إحاطة، و أما احتجاجها بقوله تعالى: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ الآية، فالجواب عنه من أوجه:
أحدها: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
الثانى: أنه عامّ مخصوص بما تقدّم من الأدلة.
الثالث: ما قاله بعض العلماء: إن المراد بالوحى الكلام من غير واسطة، و إن كان مذهب الجمهور أن المراد بالوحى هنا الإلهام، أو الرؤيا في المنام، و أما قوله تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] فقال الواحدى و غيره: معناه غير مجاهر لهم بالكلام، بل يسمعون كلامه سبحانه و تعالى من حيث لا يرونه، و ليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا من موضع، و يدلّ على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم.
و ما قدّمناه من أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى ربه بعينى رأسه هو قول أنس و عكرمة و الحسن و الربيع و جماعة من المفسرين.
و قال ابن عباس و أبو ذر و إبراهيم التيمى: راه بقلبه.
قال ابن عطية: و على هذا رأى ربّه بقلبه رؤية صحيحة، و هو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربه رؤية صحيحة.
أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: «نظر محمد إلى ربه مرتين؛ مرة ببصره و مرة بفؤاده، و عليه فلابن عباس مذهب كون الرؤية بالبصر و بالفؤاد.
و ما قاله ابن عطية في الرؤية بالفؤاد أقرّه النووى و ارتضاه ابن حجر، ثم