نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٠ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
اشيروا عليّ، فقال عمر: يا رسول الله إنها قريش، و الله ما ذلّت منذ عزّت، و لا آمنت منذ كفرت، و الله لتقاتلنّك، فتأهّب لذلك أهبته، و أعدّ لذلك عدّته. ثم استشارهم ثالثا، فقال: أشيروا عليّ أيها الناس، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم؛ لأنهم أكثر الناس عددا، فقال له سعد بن معاذ «سيد الأوس»: لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ فقال: أجل، قال: فقد آمنّا بك و صدّقناك، و شهدنا أن ما جئت به هو الحق، و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة، و إنى أقول عن الأنصار و أجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، و اقطع حبل من شئت، و سالم من شئت، و عاد من شئت، و خذ من أموالنا ما شئت، و ما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، و ما أمرت فيه من أمرنا فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك؛ و الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، و ما نكره أن تلقى بنا عدونا، و إنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن يمينك و عن شمالك و بين يديك و من خلفك» فسر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أشرق وجهه بقول سعد، و نشّطه ذلك، و قال: «أبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين أنها لكم، و تودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم (و الطائفتان: العير، و نفير قريش، و العير:
هو المعبر عنه في الآية بغير ذات الشوكة، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، و أما الشوكة فهى في النفير لعددهم وعدتهم، فقوله تعالى وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: ٧] يعنى تتمنون أن يكون لكم العير؛ لأنها الطائفة التى لا شوكة لها، أى لا حدّة لها و لا شدة، و لا تريدون الطائفة الأخرى، و لكن الله يريد الطائفة الأخرى و هى نفير قريش الّذي يريد حماية تلك العير، و هى المرادة من قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [الأنفال: ٧] الآية، و معنى إحقاق الحق: تنجيز الوعد من النصر و الظفر بالأعداء، و معنى إحقاق الحق الثاني: تقوية القرآن و الدين، و نصرة هذه الشريعة؛ لأن الّذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة الدين و قوته، و لهذا السبب قرنه بقوله وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ [الأنفال: ٨] الّذي هو الشرك، و ذلك في مقابلة الحق الّذي هو الدّين و الإيمان، فقد أعلمه الله تعالى بعد وعده بالظفر بالطائفة الثانية، و أراه مصارعهم، فعلم القوم أنهم ملاقو القتال، و أنّ العير لا تحصل لهم.