نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٢ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
تقدم على العير حذرا حتّى ورد الماء، فلقى ذلك الرجل الّذي على الماء، فقال له: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما شيئا ففتته، فإذا فيه كسيرات النوي، فقال: «و الله علائف يثرب». فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره عن الطريق، و ترك بدرا بيسار، و انطلق حتّى أسرع، فلما علم أنه قد أحرز عيره أرسل إلى نفير قريش، و كان قد بلغه مجيئهم ليحرزوا العير، و كانوا حينئذ بالجحفة، [فقال أبو سفيان] [١]: «إنما خرجتم لتمنعوا عيركم و رجالكم و أموالكم، و قد نجّاها الله تعالى فارجعوا»، فقال أبو جهل: «و الله لا نرجع حتّى نحضر بدرا فنقيم عليه ثلاثة أيام، فلا بد أن ننحر الجزر، و نطعم الطعام، و نسقى الخمر، و تعزف علينا القيان- أى تضرب بالدفوف- و تسمع بنا العرب و بمسيرنا و جمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها». و أراد بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، و قال: «لا تفارقنا هذه العصابة حتّى نرجع»، ثم لم يزالوا سائرين حتّى نزلوا بالعدوة القصوى، قريبا من الماء، و نزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعيدا من الماء بينه و بين الماء مسافة، فظمئ المسلمون و أصابهم ضيق شديد، و أجنب [٢] غالبهم، فحزنوا حزنا شديدا و أشفقوا، و كان الوادى لينا كثير التراب، تدخل فيه الأقدام، فأمطرت السماء ببركة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه، و تلبدت الأرض، و زال غبارها و شدتها، و شربوا و ملئوا الأسقية، و سقوا الركائب، و اغتسلوا من الجنابة، و طابت نفوسهم، فذلك قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:
١١]، و أصاب قريشا [٣] منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه و يصلوا إلى الماء، فكان المطر نعمة و قوة للمؤمنين، و بلاء و نقمة للمشركين. و أصاب المسلمين تلك الليلة نعاس شديد، و بات النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بينهم يصلّى تحت شجرة، و قد حصل النعاس لهم، و هو دليل على الطمأنينة، فلما أن طلع الفجر نادى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «الصلاة عباد الله»، فجاء الناس من تحت الشجر و الجحف، [٤]
[١] ليست في الأصل، و إنما وضعناها ليستقيم الكلام.
[٢] أجنب: أي صار جنبا بخروج المنى باحتلام أو غيره الموجب للغسل.
[٣] فى الأصل «قريش» على أنها فاعل، و الصحيح «قريشا» لأنها مفعول.
[٤] قرون الفلاة و رءوسها.