نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥١ - مسألة رؤية اللّه
الجن به، و خروجه إلى الغار ليلا». و الليل أصل، و لهذا كان أوّل الشهر، و سواده يجمع ضوء البصر، و يستلذ فيه بالسمر، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) أكثر أسفاره ليلا، و قال:
«عليكم بالدلجة؛ فإنّ الأرض تطوى بالليل» [١]، و الليل وقت الاجتهاد للعبادة، فلما كانت عبادته ليلا أكرم بالإسراء فيه، و ليكون أجر المصدّق به أكثر ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارا، و صحّ أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ينزل ربنا تبارك و تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حتّى يبقى الثلث الأخير، فيقول: من يدعونى فأستجيب له؟ و من يسألنى فأعطيه؟ و من يستغفرنى فأغفر له؟» الحديث. و هذه الخصوصية لم تجعل للنهار، نبّه بها (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما في ذلك الوقت من الليل من سعة الرحمة و مضاعفة الأجر، و لإبطال كلام الفلاسفة: «إن الظلمة من شأنها الإهانة و الشر».
و قد ذكر (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد عوده الأنبياء الذين راهم في بيت المقدس و السماء، و ذكر الجنة و النار، و سدرة المنتهي، و الأنهار الأربعة، و فرض الصلوات الخمس، و أنه رأى ربه عز و جل بعيني رأسه بلا كيف و لا أين و لا زمان.
[مسألة رؤية اللّه]:
و لنذكر هنا مسألة الرؤية على وجه الاختصار فنقول:
أجمع العلماء على أن رؤية اللّه تعالى بالأبصار يقظة في الدنيا جائزة عقلا؛ إذ كل موجود رؤيته جائزة، و ليس ثمة دليل قاطع على استحالتها شرعا؛ فرؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الله ليلة المعراج ببصره جائزة عقلا، بمعنى أن العقل إذا خلّى و نفسه لم يحكم بامتناع رؤيته تعالى بالبصر. و رؤية الله تعالى في الدنيا من خصوصياته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، مستحيلة شرعا على غيره، و إنما اختلاف الصحابة في وقوعها لا في إمكانها و جوازها، و مما يدلّ على جوازها في الدنيا، سؤال موسى (عليه السلام) إياها، إذ لا يجوز على نبى جهل شيء مما يجوز لربه أو يمتنع
[١] رواه أبو داود، و الحاكم، و البيهقى عن أنس.