نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦٠ - الاحتفال بالمولد
بالنّظر لذنب غير الكفر، حيث لا مانع من تخفيفه، أو هذا التخفيف خاص به و بمن ورد فيه النص، و هذا إكرام لمن وقع البرّ لأجله، و هو النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلا غرابة فى أنّ مولده الشريف على تداول الأيام صار متّبعا من جميع الناس، أكابر و أصاغر، و إن كان بدعة فهو من البدع المحمودة، و ابتداعه مبنى على قاعدة الشكر للمولى في إيجاده، و الواقع أن الأصل في حسن البدعة و قبحها أن تعرض على قواعد الشريعة: فما تدخل في قواعده من الأحكام الخمسة [١] تنسب إليه، و كم من سنن ابتدعت على طريق القرب إلى الله تعالى و صارت ملحقة بالسنّة الشريفة، و المولد النبوى منها، إذ لا ضرر و لا ضرار في فعله لمن أراد ذلك في ربيع الأوّل أو غيره، بل نصّ ابن الجوزى أنه مما جرّب أنّ فعله يورث الأمان التام في ذلك العام، كما سيأتي، و إن قال ما قال فيه تاج الدين الفاكهانى المالكى من الإنكار، و تعقّبه الجلال السيوطى و ردّ عليه الردّ التام بسلوك طريق الاستدلال و الاستظهار، و حكم بينهما [٢] العلّامة الشيخ عبد السلام اللقانى المالكي، و قضى بينهما بقول فصل و حكم عدل يشهد له بالفضل، أشبع في مقاله بالنصوص القاطعة و الحجج الدّاحضة بما يقنع من الدليل و يشفى الغليل، و يكشف عن وجوه البدع قناع التأويل، فلنذكر كلامه في هذا المعنى برمّته مع بعض تصرف في العبارة، و إن كان فيه تكرار شيء مما سبق، حيث هو مؤكد له و مزيل الغطاء عن غمته.
و نصّ عبارة الشيخ عبد السلام اللقافي: المنقولة من مسودّة حاشية له على بعض السير النبوية:
«و قد أردت إيراد بعض فوائد تتعلق بالمولد الشريف مما ذكره النجم [٣] و غيره فأقول مستعينا به سبحانه:
اعلم أن الناس اختلفوا في عمل المولد و اجتماع الناس له، و الّذي صرّح به العلّامة تاج الدّين الفاكهانى المالكى- (رحمه الله)- أنه بدعة مذمومة، و ألّف فى ذلك كتابا صدّر ديباجته بقوله بعد البسملة و الحمدلة و ما يطلب له الإتيان به:
[١] أى الوجوب، و الندب، و الإباحة، و الكراهية، و التحريم.
[٢] أى بين الفاكهانى و السيوطي.
[٣] هو النجم الغيطى- كما سيأتي.