نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٠ - الفصل الرابع في الإسراء به
و صفوتهم نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمعراج آدم كان إلى الجنة، و معراج إدريس إلى السماء السادسة، و معراج إبراهيم إلى ملكوت السموات و الأرض، و معراج موسى إلى الطور، و معراج عيسى إلى سماء الدنيا، و معراج المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى العرش، و قد اشتركت الستة في أصل المعراج، و لكن «ما كلّ بيضاء شحمة» [١].
و في الخبر عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أعطيت تفاحة ليلة المعراج فأكلتها فصارت ماء في ظهري، فلما رجعت واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فإذا هي: حورية إنسية سماوية أرضية».
و في وقوع الإسراء ليلا فوائد. منها: ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب، و يفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، و منها أنه وقت الخلوة و الاختصاص عرفا؛ فإن بين جليس الملك نهارا و جليسه ليلا فرقا واضحا، و للّه درّ القائل:
الليل لى و لأحبابى أنادمهم * * * قد اصطفيتهم كى يسمعوا و يعوا
و قول الآخر:
قلت: يا سيدى أ توثر الليل * * * عن بهجة النهار المنير
قال: لا أستطيع تغيير رسمى * * * هكذا الرسم في طلوع البدور
إنما زرت في الظلام لكيما * * * يشرق الليل من أشعة نورى
و لأنه وقت الصلاة التى كانت مفروضة عليه، فى قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ، و ليكون أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب- كما تقدم- و فتنة للكافر.
و قال بعض أهل الإشارات: لما محا اللّه أية الليل و جعل آية النهار مبصرة انكسر الليل، فجبر [٢] بأن أسرى فيه بمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم).
قال ابن دحية: «أكرم نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأمور، منها: انشقاق القمر [٣]، و إيمان
[١] مثل يضرب لعدم تطابق الأشياء و إن كانت من جنس واحد.
[٢] فجبر: أي أرضى.
[٣] رواه ابن جرير عن أنس، و قال إنه انشق مرتين. و رواه أيضا عن عبد اللّه بن مسعود و جبير، و عبد اللّه بن عباس.