نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٣٩ - الفصل الرابع في الإسراء به
الفصل الرابع في الإسراء به (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلا من المسجد الحرام و عروجه من المسجد الأقصى إلى السموات العلى
و لما بلغ (صلّى اللّه عليه و سلّم) إحدى و خمسين سنة و تسعة أشهر (قبل الهجرة بسنة) أسرى به من حجر مكة المعظّم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، و هو أوّل القبلتين، و ثانى المسجدين، و ثالث الحرمين، لا تشدّ الرحال بعد المسجدين إلا إليه، و لا تعقد الخناصر [١] بعد الموطنين إلا عليه؛ فقد روى أبو هريرة رضى اللّه عنه، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، و المسجد الحرام، و المسجد الأقصى» [٢] ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العلي، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام [٣].
قال الماوردى: كل موضع ذكر اللّه فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم، إلا فى قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٩]، فإنه أراد به الكعبة، و لم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرج به إلى العرش تلك الليلة، بل لم يرد في حديث أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاوز سدرة المنتهى، بل انتهى إليها.
و قد سئل الشيخ رضى الدين القزوينى (رحمه الله) عن وطء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) العرش بنعله، و قول الرب جل جلاله «لقد شرف العرش بنعلك يا محمد» هل ثبت ذلك أم لا؟ [٤] فأجاب بما نصه: «أما حديث وطء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) العرش بنعله فليس بصحيح، و ليس بثابت، بل وصول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح و لا حسن و لا ثابت أصلا، و إنما صحّ في الأخبار انتهاؤه إلى سدرة
[١] الخنصر: الإصبع الوسطي، و هو كناية عن شدة التمسك.
[٢] الحديث متفق عليه، و رواه الإمام أحمد و أبو داود و النسائى و ابن ماجه عن أبى هريرة، و الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجه. و هو متفق عليه عن أبى سعيد.
[٣] صريف الأقلام: صريرها. ا ه (من هامش الأصل).
[٤] قوله قبل: «إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام» يردّ ما قاله القزويني، فليتأمل؛ فإن هذا المستوى أعلى من سدرة المنتهى، و أما صعوده على العرش فاللّه أعلم بصحته. و اللّه أعلم.