نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٤١ - الفصل الرابع في الإسراء به
و قد اختلف في تفسير الحكمة، فقيل: هى العلم المشتمل على معرفة اللّه تعالى مع نقاء البصيرة و تهذيب النفس و تحقيق الحق للعمل به و الكف عن ضده، و الحكيم من حاز ذلك.
قال الإمام النووى في شرح مسلم: «و ليس في هذا ما يوهم جواز استعمال الذهب لنا؛ فإن هذا فعل الملائكة و استعمالهم، و ليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، و لأنه كان قبل تحريم أوانى الذهب و الفضة، و التحريم إنما وقع بالمدينة، كما نبه عليه الحافظ ابن حجر».
قال الشيخ محمد بن أبى جمرة: «الحكمة في شق صدره مع القدرة على أن يمتلئ قلبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إيمانا و حكمة بغير شق: الزيادة في قوة اليقين؛ لأنه أعطى برؤية شق بطنه و عدم تأثره بذلك ما آمن معه من جميع المخاوف العاديّة، فلذلك كان أشجع الناس حالا و مقالا، و لذلك وصف بقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى (١٧) [النجم: ١٧]، ا ه. و كل هذه الأمور يجب الإيمان بها، و القدرة [١] صالحة لذلك، و قد انخرقت العادات لكثير من أولياء اللّه تعالى المتطفلين على جناب هذا السيد العظيم المحبوب الأكبر، فكيف به (عليه الصلاة و السلام)؟
و قد سئل الإمام تقى الدين السبكى (رحمه الله) عن العلقة السوداء التى أخرجت من قلبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين شقّ فؤاده، و قول الملائكة «هذا حظ الشيطان منك»، فأجاب (رحمه الله) بأن تلك العلقة خلقها اللّه تعالى في قلوب البشر، قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا، و هذا معنى الحديث. قيل له: فلم خلق اللّه تعالى هذا القابل [٢] فى هذه الذات الشريفة، و كان يمكنه ألا يخلقه اللّه تعالى فيه؟ فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني، و لا بد منه، و نزعه كرامة ربانية طرأت.
و قال غيره: لو خلق نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سليما منها لم يكن للادميين اطّلاع على
[١] أى القدرة الإلهية.
[٢] أى القابل لوسوسة الشيطان.