نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٨ - مسألة رؤية اللّه
حيث جعل الله تعالى بصره (صلّى اللّه عليه و سلّم) في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربه رؤية صحيحة كما سبق، لا في جهة و لا بانحصار، منزها عن صفات الحوادث. و المحققون على أنه راه بعينه و بقلبه، و إسراؤه و معراجه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يقظة أيضا على الصحيح كما قيل:
أعلمت من ركب البراق عتيما * * * و تلاه جبريل الأمين نديما
حتى سعا فوق السماء قدوما * * * و دنا فكلّم ربّه تكليما
أم من على الرسل الكرام تقدّما * * * و نوى الصلاة بهم، و كبّر محرما
و سرى إلى ذى العرش فردا بعد ما * * * بلغ الأمين [١]مكانه المعلوما
أم من كتاب القوس آية قربه * * * بعلوّه و دنوه من ربه
و رأى الإله بعينه و بقلبه * * * و حوى من الغيب الخفىّ علوما
و لذلك لما أفحم قريشا بالدلائل القوية التى تفيد اليقين، من وصف بيت المقدس، و وصف العير التى مرّ بها في طريقه، و أنها تصل إليهم وقت كذا، فكان كما أخبر، لم يجدوا طريقة إلا أن رموه بالسحر، و قالوا: صدق الوليد.
و لوقوع الإسراء ليلا فوائد، منها: ليزيد الذين آمنوا إيمانا بالغيب. و يفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، و قد قال تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ [الإسراء: ٦٠] أى التى شاهدتها ليلة الإسراء إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أى امتحانا و اختبارا، لأنه لما ذكر لهم قصة الإسراء كذّبوه، و كفر به كثير ممن كان قد آمن به، و ازداد المخلصون إيمانا، فلهذا السبب كانت امتحانا. و المراد «بالرؤية» فى الآية الرؤية البصرية، حيث أن الإسراء كان في اليقظة بجسمه الشريف، و أنه وقع ذلك ليلا و كان خارقا للعادة أشبه الرؤيا المنامية، فعبّر عنه بالرؤيا مجازا، و أدلّ دليل على أن الرؤيا كانت بصرية، قوله تعالى: فِتْنَةٌ
[١] هنا جبريل.