نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٨٥ - الفصل الرابع فى ذكر أزواجه
لأن الغرض به التأديب و الزجر، و ليكون الكلام أوقع في النفس، لما روى أنس رضى الله عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى رجلا يسوق بدنة [١]، فقال: اركبها، فقال:
إنها بدنة، قال اركبها، قال: إنها بدنة، قال في الثالثة: «اركبها ويلك». و لقول أبى بكر الصديق رضى الله عنه لابنه عبد الرحمن لمّا لم يجده عشّى أضيافه: «يا غنثر» [٢].
و نهى عن انتهار الفقراء و الضعفاء و اليتيم و السائل و نحوهم، بل يلين لهم القول و يتواضع معهم، لقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ٩، ١٠] و لقوله تعالى: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: ٨٨].
و كان أسامة أسود أفطس، و توفى اخر أيام معاوية سنة ثمان أو تسع و خمسين، و قيل: توفى بعد قتل عثمان بالجرف، و حمل إلى المدينة.
روى عنه أبو عثمان، و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة و غيرهما، أخرجه ثلاثتهم.
و قد ذكر ابن منده أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر أسامة بن زيد على الجيش الّذي سيّره إلى مؤتة في علته التى توفى فيها، و هذا ليس بشيء؛ فإن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) استعمل على الجيش الّذي سار إلى مؤتة أباه زيد بن حارثة، فقال: «إن أصيب فأميركم جعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فأميركم عبد الله بن رواحة الأنصاري، فإن أصيب فسيفتح الله على يدي رجل من المسلمين» و أشار بيده إلى خالد بن الوليد [٣]، فلما التقوا مع الروم و قتل زيد أخذ الراية جعفر، فقاتل حتى قطعت يده اليمنى، فأخذها بشماله فقاتل حتّى قطعت شماله، فحضن الراية و قاتل حتّى قتل رضى الله عنه، و يقال: إنه وجد فيما أقبل من بدنه أربعة و خمسون جرحا، ما بين طعنة رمح و ضربة بسيف، و قتل في ثمانية من الهجرة.
[١] بقرة.
[٢] الغنثرة: كثرة الشعر، و كلمة شتم.
[٣] و منه تأخذ أن تأمير خالد على هذا الجيش، إنما كان أيضا بأمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).