نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٣٠ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
للرعى و الاتجار، و شارك و وكّل و توكّل، و وهب و وهب له، و استعار و ضمن عن الله ضمانا خاصّا و عامّا، و شفع و شفع إليه، و سابق و صارع، و طلّق و الي، و ضاف و أضاف، و داوى و تداوى بمفرد و مركّب، و رقى و استرقي، و حذّر من التخمة و كثرة الأكل، و كان يصوم حتّى يقال لا يفطر، و عكسه، و أكثر صيامه فى شعبان، و كان يقوم من الليل حتّى تتفطّر قدماه، فتقول له عائشة: أ تتكلف هذا و قد غفر الله لك؟! فيقول: أ فلا أكون عبدا شكورا! و كان أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبى على دينك». و خرج من الدنيا و لم يملأ بطنه في يوم من طعامين، فكان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير، و إذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر، و ربما شدّ علي بطنه حجرا من الجوع. و قد اتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فأبى أن يقبلها، و اختار الآخرة عليها، و هذا على وجه الاختيار لا على وجه الاضطرار لأجل أن تتأسى به أمته، و مما يدل علي ذلك قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «عرض عليّ ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، فقلت: يا ربّ أشبع يوما و أجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك و ذكرتك، و إذا شبعت شكرتك و حمدتك»، قصد (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يكون مشغولا بالله في طوري الشدة و الرخاء، و النعمة و البلاء.
قال بعضهم: و حكمة ربط الحجر أن يسكن بعض أ لم الجوع؛ لأن حرارة المعدة الغريزية ما دامت مشغولة بالطعام قلّت الحرارة به، فإذا قلّ اشتغلت برطوبات الجسم و جواهره، فيحصل التألم حينئذ، و يزداد ما لم يضمّ إلى المعدة الأحشاء و الجلد، فإنّ نارها حينئذ تخمد بعض الخمود، فيقلّ الألم، فيفيد إنّ شدّ الحجر على قدر أ لم الجوع، فكلما زيد زيد. ا ه.
و قال بعضهم: عادة أصحاب الرياضة [١]، و كذا العرب و أهل المدينة إذا اشتد جوعهم و خليت بطونهم أن يربط كل واحد منهم حجرا على بطنه؛ لئلا تنزل أمعاؤه، فيشقّ عليه التحرك، فإذا ربط حجرا على بطنه يشتد بطنه و ظهره فتسهل عليه الحركة، فكان (صلّى اللّه عليه و سلّم) أكثرهم رياضة، و كأن الله تعالى خلق فيه برودة تسكن الجوع و حرارته.
[١] يقصد بأصحاب الرياضة: الذين يدربون أنفسهم على الخلوات و الذكر.